يبدو أن الحكومة وصلت لمرحلة متقدمة من المعاناة التي تواجهها بصورة يومية تتمثل في سيل الانتقادات والاتهامات المصوبة باتجاهها في وسائل الإعلام المختلفة. غير أن “المعارضة الإليكترونية” على مواقع ومدونات الإنترنت كالت للحكومة بما يكفي بأن يجعل منها “فرجة” لكل العالم على يد آلاف من الشباب الذي اتخد الترصد لأخطاء النظام ونشرها أول بأول هواية أساسية.

وبحكم أن الفقر وسوء إدارة موارد الدولة والفساد دائما ما تتصدر عناوين الصحف المستقلة التي أصبحت رائجة في السنوات القليلة الماضية بصورة موازية لذلك النشاط الإليكتروني الشبابي الذي يستطيع فيه الفرد أن يقول ما يشاء وأن يكيل للنظام بدون رقيب أو اسم حقيقي. خرجت علينا تلك الصحف والمدونات بسيل من النقد الاقتصادي الغير مسبوق في التاريخ المصري الحديث مصحوب بلغة جريئة لم يألفها المجتمع منذ عقود.

يبدو أيضا أن الحكومة حاولت التشبث بسياستها القديمة المتمثلة في غض الطرف ولو نسبيا عما يكال لها في السنوات القليلة الماضية من اتهامات بإفقار الفقراء، لكنه من الواضح أنها أدركت أن تلك السياسة لم ينتج عنها سوى ارتفاع ذلك الصوت الإلييكتروني أكثر وأكثر إلى أن أصبح موضة أفقدت الحكومة هيبتها.

لكنه من الواضح أن رياح التغيير قد هبت على سياسة الحكومة في التعامل مع هذه الانتقادات الحادة. فهناك الكثير من المؤشرات المثيرة للانتباه مؤخرا في تعامل الحكومة مع تلك الضوضاء المعارضة التي تؤلم آذانها. الغريب أن الحكومة قد قررت المشاركة في نفس الصخب وبنفس اللهجة اللاذعة.

لقد شهدت الأسابيع الماضية كثير من الانتقادات الغير مألوفة للحكومة، بحكم أنها جاءت من الحكومة نفسها أو من يحسبون عليها. غير أن دويها كان عاليا بما يكفي أن يكون جلدا للذات في صورة جعلت معرضيها أكثر رحمة.

فتارة تجلد الحكومة ذاتها بسبب قضايا استغلال النفوذ سواء من ممثليها في البرلمان أو ممن يعدون أذرع النظام في كل جنبات الدولة. وتارة أخرى يبالغ أحد رجالها وتأخده الجلالة ويوجه تحذيرا غير مفهوما لوزير المالية باحتمالية اغتياله كجده نتيجة لأفعاله “التي لا ترضي أحد” مع العلم بأن الرجل لم يفعل سوى ما تملي به بديهيات علم الاقنصاد في وقت الأزمات.

ثم اتهم ممثلو الحزب الوطني في البرلمان الحكومة بأنهم تركوا الاقتصاد المصري “في يد عصابة” تبيعه بتراب الفلوس على حد تعبيرهم، في طفرة لفظية غير مألوفة من الحزب الحاكم للحكومة التي هو جزء منها، أو ريما هي جزء منه، او ربما لا يعرف أحد هو منين يودي على فين.

وأخر ما جاءت به هذه الاستراتيجية هو تصريح لرئيس الوزراء في المؤتمر القومي الرابع للشباب عبر فيه عن رأيه في نظام العلاج على نفقة الدولة المعمول به فى مصر حالياً، بقوله “أنا أُسميه نظام عدم النظام” ثم أوضح ناقدا بصورة أكثر إيلاما أن لحكومة تدعم الغنى أكثر من الفقير بسبب النظام الحالى.

كل ذلك بالتأكيد هو أفضل من أن تستمر الحكومة في سياسة أذن من طين وأخرى من عجين كما كانت في السابق، غير ما يحدث وفي هذا التوقيت تحديدا يدل عل أن الحكومة مازالت قادرة على تحريك رياح السياسة فيما تشتهيه سفنها حتى ولو بنشر غسيلها على الملأ، والفائدة على رغم ألم الوسيلة حتما في صالحا.

فتلك الاستراتيجية من شأنها عودة الثقة أو حتى بعض منها بين الشعب والحكومة وحزبها الحاكم، وكذلك التمهيد لتغييرات استراتيجية اخري يبدو أن القطاع الصحي سيكون أول أبطالها وربما يليه الضريبي وكذلك مفهوم الدعم من أساسه. وهي عبقرية دائما يشهد بها للنظام السياسي المصري وخاصة تلك المرة عندما قرر أن يستغل أخطاءه التي يغنيها شباب النت “بربابة”، في أن يغني هو بصوت أعلى قابضا بيده على دفة صوت المعارضة.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.