القصة معروفة ومكررة. إما لأحدهم ممن نعرفهم أو من خلال الأفلام والمسلسلات. يسقط أحدهم في هوة إدمان المخدرات لأسباب متعددة وخلفيات متباينة لم تفرق بين فقير وغني، فلكل أسبابه والسقوط واحد.

غير أن الأسرة وخاصة في مجتمعنا المتمسك قدر الإمكان بتماسكها، هي دائما من يدفع الثمن. ليس بالصورة المعنوية فقط، بل والمادية أيضا. فالأسرة دائما هي من يستمر في احتضان المدمن وهي دائما تسعى لانتشاله من هذا القاع المظلم مهما كلفهم الأمر.

لكن البعض اتخذ تلك النزعة الأسرية سببا للتربح فيما قد يسمى علاجا للإدمان، حيث انتشرت المستشفيات والمصحات والعيادات ما كبر منها أو صغر استجابة لتلك الظاهرة المنشرة بين شباب هذا المجتمع. بعضها يقوم بدوره قدر المستطاع غير أن البعض الآخر لايهمه غير الربح في ظل مناخ يفتقر للقواعد والقوانين التي تحكم ممارسة هذا النشاط الغير عادي.

وفي ظل غياب خدمة طبية حكومية كافية لتلك الشريحة الكبيرة من “المرضى” حيث لا توجد سوى بضع مستشفيات عامة لا يتعدى عددها أصابع اليد الواحدة، ينمو عدد العيادات والمصحات الخاصة بصورة اضطرادية لعلاج مثل هذه الحالات ربما بدافع إنساني، غير أنه بلا شك بيزنس مربح والطلب عليه لا خيار في التخلي عنه.

وجدير بالذكر أنه حتى في الدول الراسمالية المتحررة في تجارة الخدمات حتى الصحية منها كبريطانيا على سبيل المثال، مازال هذا النوع من العلاج تحت سيطرة الحكومة لحساسيته وأهمية علاقته بالمجتمع.

أما في ظل سياسة “التحرر الصحي” في مصر وتخلي النظام عن دوره الفاعل في كثير من القطاعات الصحية، دخل مجال علاج الإدمان الكثير من الأطباء النفسيين والمعالجين النفسيين وكذلك المدمنين المتعافين أصبحوا جزءا من هذا البيزنس.

والكثير من هذه البرامج العلاجية لايركز سوى على ما يسمى مرحلة نزع السموم أو أعراض الانسحاب. وعلى الرغم من أهميتها، إلا أنها لا تمثل سوى حلقة صغيرة في سلسلة طويلة من العلاج النفسي الذي تهمله تلك البرامج. والنتيجة أن المدمن يعتبرها فترة راحة من المخدر يعود بعدها للتعاطي فور العودة لأصدقائه، حيث يصنف المدمن في هذه الحالة علميا على أنه “مدمن متعاف” وليس مريضا تم شفاءه بحكم أنها عملية طويلة لها الكثير من القواعد والتفاصيل معظمها مفقودة في تلك المصحات.

علينا أيضا معرفة أن المخدر من حيث تكلفة تعاطيه مازالت أرخص نسبيا من علاج إدمانه. الأمر الذي يدفع الأسر إلى اللجوء إلى تلك المصحات بمنطق مادي إلى جانب ضمير المسؤولية الأسرية التقليدية، وهو ما يجعل أصحاب هذا البيزنس من المحظوظين حيث يعود نفس المريض مرات ومرات. ليس كلهم بالطبع لكن الكثير منهم فقط متربحون. حتى أن الأمر قد وصل إلى استغلال بعض أسماء الطباء بصفتهم القانونية لفتح مصحات من هذا النوع، وإن لم يكن بها أي من المتخصصين، فهي تجارة طبية رائجة في مجتمه على منزلق المخدرات.

وعلى الدولة هنا أن تضع حدا فاصلا بين أهمية دورها الراسمالي في تنمية قطاهات الخدمات كمورد للضرائب، ودورها الرئيسي كراعي لسلامة هذا المجتمع من المعيب من السلوك اللا أخلاقي، وبالأخص في مهنة كان من المفروض أن تكون مبنية على أساس إنساني قبل تربحي.

غير أن التساؤل هنا، وبعد صدور قانون الصحة النفسية الجديد وموافقة مجلس الشعب، هل يرى حظه من التطبيق أو المتابعة ولو حتى القليل منها، أم أنه مصيره كمصير غيره من القوانين التي تملئ مقار النقابات الطبية ولا ترى من المتابعة سوى نفض التراب من الأرفف الراقدة عليها.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.