تحوّل الخطاب في البرلمان مؤخرًا من النقاش السياسي إلى التراشق اللفظي، وشهدت لغة التواصل بين النواب تدهورًا غير مسبوق خلال الأشهر القليلة الماضية.

قال عبد الفتاح عمر، وكيل لجنة الأمن القومي بالبرلمان، والذي ينتمي -بالمفارقة- إلى كتلة موالية للحكومة: «الوزير لا يهتم بأحد، ويكرهه الناس والحكومة على حد سواء. ولن أندهش إذا تم اغتياله كما اغتيل جده».

في التاسع من فبراير، شنّ عمر هجومًا حادًا على وزير المالية يوسف بطرس غالي خلال جلسة برلمانية، منتقدًا سياساته الاقتصادية المثيرة للجدل. وقد أثارت كلمته، التي تضمنت تعبير «الاغتيال»، صدمة بين عدد من النواب، بينهم حمدي السيد، رئيس لجنة الصحة، الذي طالب بحذف المصطلح من محضر الجلسة.

ولم يكن هذا الهجوم الأول ولا الأخير على غالي، الذي طالته انتقادات متكررة، ليس فقط من المواطنين العاديين، بل من مسؤولين داخل الدولة أيضًا.

ولفهم أسباب هذا الجدل، من الضروري تسليط الضوء على السياسات التي أثارت الكثير من السخط في الأوساط السياسية بمصر.

اتهم البدري فرغلي، رئيس اتحاد أصحاب المعاشات، الوزير غالي بأنه «عدو الفقراء»، وقال إن السياسات التي ينتهجها مسؤولة بشكل مباشر عن معاناة كثير من المواطنين، بحسب صحيفة الدستور.

ويقود فرغلي حملة لإلغاء قانون المعاشات الجديد الذي يُخفض دخل المتقاعدين الجدد بنسبة 50%، رغم أنهم كانوا يسددون اشتراكات شهرية طوال سنوات عملهم وفقًا للقانون القديم.

من القضايا الأخرى التي أثارت استياءً بالغًا، رحلات الوزير العلاجية إلى الولايات المتحدة، حيث دعا النائب الإخواني حمدي حسن رئيس الوزراء أحمد نظيف إلى الكشف عن تكلفة تلك الرحلات المتكررة.

وقال حسن: «في الوقت الذي يعاني فيه المواطنون من الضرائب التي يفرضها الوزير، يذهب هو للعلاج في أمريكا، بينما لا يجد آلاف المصريين أبسط أشكال الرعاية الصحية»، وفقًا لصحيفة المصريون.

وإن كانت مثل هذه الاتهامات متوقعة من نواب المعارضة، بوصفهم يمارسون دورهم الرقابي، فإن اللافت أن الهجوم هذه المرة جاء من نواب محسوبين على الحزب الحاكم.

فقد اتخذ عدد من نواب الحزب الوطني الديمقراطي نبرة هجومية غير معهودة، موجّهين انتقادات مباشرة للحكومة التي ينتمون إليها.

قال النائب أحمد أبو حجّي، غاضبًا: «مصر تمر بكارثة كبرى، تديرها عصابة باعت البلد بثمن بخس»، وفقًا لصحيفة الشروق.

وجاء هذا التصعيد اللافت خلال جلسة طارئة دعت إليها كتلة الحزب الوطني لمناقشة فصل 1700 عامل من شركة أمينستو للنسيج، والذين كانوا يعتصمون مع أسرهم منذ فترة طويلة قرب مجلس الشعب.

ولم تقتصر الانتقادات على المعارضة، بل شملت أيضًا خمسة وزراء، من بينهم غالي، وطالب نواب الحزب الوطني بحضورهم لجلسة لاحقة، بعد أن تغيبوا عن تلك الجلسة الساخنة.

وكانت الضريبة العقارية الجديدة، التي أعدّها غالي في إطار استراتيجية الحكومة لزيادة الإيرادات بعد موجة من الاقتراض المحلي، في قلب هذه العاصفة. وعلى الرغم من تمرير القانون في البرلمان، فإنه واجه معارضة واسعة النطاق من شرائح مختلفة، حتى من داخل الحكومة.

وتدخل الرئيس حسني مبارك بنفسه ليُعلّق تطبيق الضريبة، وأعادها للمراجعة بعد أن تسببت في موجة من الغضب الشعبي في ظل تصاعد الإضرابات والاحتجاجات في البلاد.

وخلال أحد البرامج التلفزيونية الشهيرة، «العاشرة مساءً»، وصف أستاذ القانون بجامعة القاهرة، الدكتور إبراهيم درويش، القانون بأنه «غير دستوري»، موضحًا: «من الخطأ فرض ضريبة على منزل خاص، لأن قيمته السوقية تنخفض مع الوقت».

وساهمت التغطية الإعلامية في تصعيد التوتر الشعبي، وذهب رئيس تحرير صحيفة «صوت الأمة»، وائل الإبراشي، إلى حد مطالبة المواطنين بعدم تقديم إقرارات الضريبة العقارية.

وعلى خلفية هذا الرفض العلني، تم القبض على الإبراشي مؤقتًا، بعد أن قدم غالي بلاغًا ضده بتهمة التحريض على مخالفة القانون، قبل أن يتم الإفراج عنه لاحقًا.

ويوضح الغضب الشعبي العارم من سياسات غالي خلال الشهر الماضي لماذا أصبح كثير من المصريين أكثر استعدادًا للنزول إلى الشارع، احتجاجًا على تآكل دخولهم بفعل الضرائب الجديدة وسياسات التقشف.

كما يُفَسّر أيضًا لماذا يشعر مسؤولون مثل عبد الفتاح عمر، وكيل لجنة الأمن القومي، بالغضب، خاصة أنهم – بوصفهم جزءًا من الأجهزة الداخلية – يتحملون عبء مواجهة الشارع.

وقد فاقم الضغط على هذه الأجهزة، بفعل التغطية الإعلامية المحلية والدولية، من حدة الوضع، وربما ساهم في انفجار عمر بتصريحه الصادم والمسيء، الذي أذهل الحضور.

لكن، هل تعكس هذه الحالة فوضى سياسية أم مناورة محسوبة؟ ربما تكون كلا الأمرين معًا.

واللافت أن غالي تُرك ليخوض هذه المعركة وحيدًا، رغم ما حظي به هو وأسرته من دعم الحكومات المتعاقبة، بما في ذلك الحكومة الحالية. وتُعد عائلة غالي من الأسر الأرستقراطية القليلة التي احتفظت بنفوذها السياسي خلال العهدين الملكي والجمهوري.

فقد شغل جده، بطرس غالي باشا، منصب رئيس الوزراء في مطلع القرن العشرين، واغتيل سنة 1910 وسط اتهامات بالتعاون مع الاحتلال البريطاني. كما شغل أفراد آخرون من العائلة مناصب سياسية مؤثرة، ويُنظر إلى يوسف بطرس غالي نفسه باعتباره مهندس الإصلاحات الاقتصادية الأخيرة.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن ما يقوم به غالي لا يخرج عن إطار ما تفعله الحكومات عادة في أوقات الركود. فوفقًا للنظرية الكينزية، التي تُعد من الركائز الأساسية لإدارة الأزمات، ينبغي على الحكومات زيادة الإنفاق وفرض ضرائب أو استحداث أخرى لتعزيز الإيرادات.

وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى غالي بوصفه تلميذًا مثاليًا في مدرسة كينز الاقتصادية. فماذا حدث إذًا؟ تكمن الإجابة في التشبيه والاتهام معًا.

في التشبيه، يُقارن غالي بمحاسب شركة، يتعامل مع ضغوط خارجية وداخلية. خارجيًا، يسعى المحاسب إلى تحصيل مستحقات الشركة من العملاء، في محاولة لتحقيق الأهداف المالية المقررة أو حتى تجاوزها. وهو دور بالغ الأهمية، لكنه بطبيعته محفوف بالصعوبات، وتعكس تحركات غالي على المستوى القومي هذا المنطق ذاته.

العملاء القادرون على الدفع في الوقت المحدد لا يحملون ضغينة للمحاسب، لكن من يعجزون عن السداد غالبًا ما يكرهونه، إذ تفرض عليه مسؤوليته عن الإيرادات أن يتصرّف أحيانًا بصرامة مفرطة.

أما داخليًا، فإن المحاسب يجسد البيروقراطية المالية التي تضمن التوازن والالتزام بالنظام وتفعيله، ما قد يؤدي إلى جمود غير مرغوب فيه أو احتكاكات مع إدارات أخرى.

ويجد الموظفون الذين يتعاملون مع العملاء في غير الشؤون المالية أنفسهم في موضع انتقاد من الجمهور بسبب سلوك المحاسب المتشدد، ما يولّد صدامًا داخليًا إضافيًا.

ومع ذلك، يبقى رئيس الشركة عادة راضيًا عن المحاسب، لأنه يضمن تدفق الإيرادات ويحافظ على انتظام الأداء المالي.

وفي هذا التشبيه، يبدو غالي، وزير المالية، وكأنه محاسب الدولة، يتلقى الانتقادات من الخارج (الجمهور) ومن الداخل (المسؤولين)، بينما يظل رئيسه – سواء رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية – راضيًا عنه ما دام يؤدي المطلوب منه.

لكن، في المقابل، فإن انحدار غالي من أصول أرستقراطية، وتاريخ عائلته الطويل في دوائر السلطة، وأسلوب حياته النخبوي، كلها عوامل توحي بأنه لا يدرك تمامًا واقع المواطن المصري العادي، الذي يعتمد على المترو في تنقله ولا يستطيع شراء اللحوم إلا مرة واحدة في الشهر.

ورغم أن استراتيجيته المالية سليمة ومنطقية من منظور اقتصادي بحت، فإن مدى تعاطفه مع المعاناة اليومية للمصريين يظل موضع شك. وهذا الانفصال هو جوهر الاتهام الموجه إليه في خضمّ العبث السياسي الذي يواجهه الآن.

هذا المقال نشر أولاً بمجلة بيزنس توداى.