يا اللي عليك تنفيذ مبادئنا إن كنت صغير ولا كبير.. مبادئنا يعني ثورتنا يعني أمانة وشغل كتير.. لو تخدم باشتراكية وبذمة وهمة قوية.. أنا زي ما قال ريسنا راح أشيلك جوه عنيا.. وإن خدت المركز جاه، ولعبت اللعب إياه.. ولا همك غير مصلحتك، وظلمت في خلق الله: هنقولك: يا عديم الاشتراكية يا خاين المسؤولية.. هنزمرلك كده هه.. ولطبل لك كده هه…
تلك هي كلمات الأغنية التي كتبها مرسي جميل عزيز، ولحنها كمال الطويل، وغناها عبد الحليم حافظ سنة 1964. تلك هي الأغنية التي آمن بمبادئها الكبار في ستينات القرن الماضي وتغنت بها الأطفال في شوارع مصر عبثا وكأنها “أوبريت الدندورمة” الشهير آنذاك، والذي يعرض أحيانا (من منتصفه) على شاشات التليفزيون الحكومي في حال وجود تلك الدقائق من الفراغ الإعلامي المعتاد.
غير أن أغنية عديم الاشتراكية بالطبع لم تعد تعرض على الإطلاق، حيث لم يعد الزمان زمانها، وخاصة بعد أن ألقيت الاشتراكية في مزبلة التاريخ، وأصبح من العيب والتخلف الحديث عنها.
مسكين هذا الشعب الذي يجبر فكريا على الإيمان بماهو “حالي فقط”، فالقديم عيب، والمستقبل فقط بيد الله، وما يملى عليه الآن هو أفضل ما عرفته مصر. الاشتراكية كخ والرأسمالية دح.
بالفعل الاشتراكية لم تجلب لمصر سوى المشاكل المزمنة التي نعيشها حتى الآن. لكن ماذا جلبت الرأسمالية مؤخرا سوى مزيدا من الفقر والفساد والتقدم للخلف! لقد هاجمت تلك الأغنية الساذجة اللذين لا يعملون بذمة وهمة، واللذين يأخذون مراكزهم جاه ولعبوا اللعب إياه، وكذلك اللذين لم تهمهم سوى مصلحتهم وظلموا خلق الله. أليست هذه هي نفس عينات المجتمع الذي نعيش فيه الآن؟ ألا يبدو أن فشل كلا المذهبين في مصر ينبع من فشل المجتمع والنظام في علاج أمراضه التي تبين متاخرا أنها سرطانية!
إلى كل من قالوا أن الاشتراكية أحد أشكال التخلف، ألا يعرفون أن ما يحدث في الدول الاسكندنافية منذ عقود هو أحد أشكال الاشتراكية المتطورة التي تراعي الحرية الفردية ولا تتخلى عن المبادئ الأساسية لنظام الدولة بتقديم كافة أشكال الرعاية والحماية لشعوبها مجانا كأحد أبسط مبادئ المواطنة. أم أن الذاكرة لا تستطيع أن تتذكر غير أشكال الاشتراكية الكتاتورية كالروسية وغيرها من أجل تعليق الأخطاء المحلية على شماعتها!
وكذلك إلى كل من يهاجم الرأسمالية حاليا بعد الأزمة الاقتصادية الأخيرة، ألم تتخرج دول مثل ماليزيا وسنغافورة من مستنقع التخلف إلى مصاف الدول المتقدمة معتمدة على مبادئ الراسمالية وآليات السوق الحر! أم أن الرأسمالية في نظرهم هي أمريكا فقط، فإن سقطت سقط العالم معها.
الموضوع ببساطة مرتهن بطبيعة الشعوب وظروفهم الداخلية، واستعدادات الأمم للنهوض بغض النظر عن المذهبية الفكرية. هي فقط مسالة ضمير على كافة المستويات الفردية والاجتماعية وبالطبع الحكومية.
ويبدو أن فشل الاشتراكية قديما على يد الإمبريالية الأمريكية، وكذلك الرأسمالية حديثا على يد نفس الإمبريالية مع اختلاف السيناريوهات التي جعلت الرأسمالية كأنها هبطت من السماء، ليس له علاقة على الإطلاق بما حدث قديما في مصر، ومازال يحدث حتى الآن. إنها زمرة “عديمي المسؤولية” التي يجب أن نغني ونزمر لهم جميعا، ورحم الله مرسي جميل عزيز!
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.