في ظل كونها سوقًا ناشئة جذابة تتمتع بإمكانات نمو قوية، تطرح البورصة المصرية نفسها كوجهة مغرية للمستثمرين الباحثين عن الأرباح.

وكما هو الحال مع أي سوق قبل أن تبلغ مرحلة النضج، تمر البورصة بمزيج من التطورات الإيجابية والسلبية، بينما تتطور آليات التداول تدريجيًا نحو الاستقرار والتنظيم الفعّال. وهذه الرحلة تُشبه ما مرت به الأسواق المالية العالمية، التي واجهت آلامًا مماثلة في مراحل نموها، ولا يزال بعضها يعاني منها حتى اليوم. ولا تُعد البورصة المصرية استثناءً من هذا المسار.

وباعتبارها سوقًا ناشئة تستقطب مستثمرين من خلفيات واستراتيجيات ربحية متباينة، تواجه البورصة المصرية سلوكيات بنّاءة وأخرى مدمّرة من قِبل بعض الشركات المدرجة.

وقد شكّل الشهر الماضي نقطة تحوّل مهمة في السوق المالية المصرية، بعد إدانة شركة بايونيرز لتورطها في التلاعب بأسعار أسهمها بهدف تحقيق أرباح سريعة. وقد وُصِفَت هذه القضية بأنها أكبر فضيحة تلاعب في تاريخ البورصة المصرية.

فقد أصدرت المحكمة الاقتصادية بالقاهرة أحكامًا ابتدائية بالسجن على ثلاثة من أعضاء مجلس إدارة بايونيرز، إضافة إلى ستة مستثمرين آخرين، بعد إدانتهم بتضخيم سعر السهم بشكل مصطنع. وقد ارتفع سعر السهم من 5 جنيهات إلى 27 جنيهًا خلال ثماني جلسات فقط، ما بين 23 يونيو و7 يوليو 2008.

وقضت المحكمة بالسجن لمدة عام لجميع المتهمين، مع فرض كفالة مؤقتة قدرها 100 ألف جنيه لوقف التنفيذ، إضافة إلى غرامة مالية قدرها 10 ملايين جنيه لكل فرد.

تفاصيل الجريمة والحكم القضائي

وبالاستناد إلى نسخة من الحكم المفصل الصادر عن المحكمة في فبراير الماضي، تستعرض BT وقائع القضية، وتسلّط الضوء على ما جرى، متسائلة عن أسباب الغموض الذي اكتنف الإجراءات القانونية منذ وقوع عملية التلاعب.

وبحسب ما جاء في الحكم، صدرت الإدانة بحق ثلاثة من أعضاء مجلس الإدارة هم: محمود شبل، وياسر زكي، ووليد زكي، وقد اعتبرتهم المحكمة مسؤولين عن إدارة الشركة.

كما أدين في الحكم ستة من كبار عملاء بايونيرز، وهم: عبدالرحمن الزهراني، وأشرف سلامة، والسيد حجاج، ومدحت عبدالحي، وحاتم صالح، وأحمد مشالي.

ووجّهت النيابة العامة إلى المتهمين التسعة تهمًا تتعلق بالتأثير على سعر سهم بايونيرز، وعدم تسجيل أوامر العملاء فور تلقيها، وتنفيذ صفقات على حسابات العملاء دون تفويض منهم. كما اتُّهموا بتنفيذ أوامر شفهية دون تسجيلها، وبإجراء صفقات كبيرة تفوق تعليمات العملاء، وتقديم أوامر داخل نظام البورصة بهدف إعطاء انطباع مضلّل حول قيمة السهم. وأخيرًا، نُسب إليهم التلاعب في سعر السهم بهدف السيطرة عليه، وفقًا لما ورد في حيثيات الحكم.

سلوك السهم

من خلال هذه الممارسات، خلق المتهمون وهمًا لدى المستثمرين بوجود طلب كبير على السهم، بينما كانوا في الواقع يسيطرون عليه بالكامل من خلال تنفيذ صفقات ضخمة بدت وكأنها صادرة عن عملاء حقيقيين.

وقد أدّى ذلك إلى قفزة حادة في سعر السهم من 5 جنيهات إلى أكثر من 27 جنيهًا في فترة وجيزة، مع تداول 134 مليون سهم، بقيمة إجمالية تجاوزت 2.686 مليار جنيه.

ولم يحضر المتهمون جلسات المحاكمة، وصدر الحكم عليهم غيابيًا.

وعقب صدور الحكم، قام المدانون بالطعن عليه، وأبدوا استعدادهم للتفاوض مع الهيئة العامة للرقابة المالية، بموجب المادة 68 من قانون سوق المال، التي تتيح للهيئة إبرام تسوية مقابل دفع ما لا يقل عن ضعف الحد الأدنى للغرامة، الأمر الذي يؤدي إلى إسقاط التهم الجنائية.

لماذا كل هذا التكتّم؟

في وقت سابق، أحالت النيابة العامة القضية إلى المحكمة الاقتصادية بعد تحقيقات أجرتها هيئة سوق المال.

ويثير هذا الإجراء تساؤلات حول السبب في عدم الكشف عن الفضيحة التي وقعت في يونيو 2008، وعدم الإفصاح عن أي تفاصيل تتعلق بإجراءات المحاكمة، حتى صدور الحكم القضائي في فبراير الماضي.

وقال مصدر رفيع في البورصة المصرية، فضّل عدم الكشف عن هويته، لمجلة BT: «القاعدة القانونية لأي حكم قضائي هي ضرورة الإعلان عنه، وهذا ما تم. المشكلة هنا أن الشركة محل التحقيق لم تكشف عن أي تفاصيل بشأن الإجراءات».

وعند سؤاله عن تعويض المستثمرين المتضررين خلال فترة التلاعب، أوضح: «القانون يُلزم الطرف المتسبب في المخالفة بتعويض من لحق به الضرر».

من جانبه، قلّل هاني الهنداوي، الرئيس التنفيذي لشركة العروبة للأوراق المالية، من أهمية التكتّم قائلاً: «ليس من اختصاص هيئة سوق المال أن تعلن عن هذه القضايا، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته. الهيئة أعدّت تقريرها الفني، ومن ثم أصبحت الكلمة الفصل للمحكمة».

وأضاف: «بعض الدول تعلن عن هذه القضايا قبل أن تصل إلى المحكمة، بينما دول أخرى – مثل مصر – لا تفعل ذلك». كما وجّه انتقادات إلى وسائل الإعلام لفشلها في متابعة هذه القضايا المهمة بشكل كافٍ.

أما حنفي عوّاد، مدير قسم الأبحاث والدراسات بشركة وثيقة لتداول الأوراق المالية، فيدافع عن سرية مثل هذه القضايا قائلاً: «ذلك يحمي اسم السوق وسمعته واستقراره، خصوصًا كونه سوقًا ناشئًا».

في المقابل، اتخذ المستثمر الفردي في البورصة ياسر النادي موقفًا أكثر تشككًا، حيث يرى أن قضايا التلاعب والتكتّم الذي يحيط بها تصب في مصلحة جميع الأطراف المعنية. وقال: «التلاعب في البورصة المصرية مرتبط بجميع الأطراف، ومن مصلحتهم إبقاء هذه القضايا طي الكتمان».

ويؤكد مستثمرون أنه خلال السنوات القليلة الماضية، تصاعدت الشبهات حول عدد من الأسهم في البورصة.

وعلّق الهنداوي قائلًا: «لا توجد سوق في العالم، بما فيها وول ستريت، لا تشهد تلاعبًا. هذه سمة متكررة في الأسواق الناشئة حتى تصل إلى مرحلة الاستقرار. لكن ما حدث في هذه الحالة كان أكثر وضوحًا».

وأيّد عوّاد وجهة نظر الهنداوي، مضيفًا: «شهد عام 2009 تلاعبًا في بعض الأسهم، لكن الهيئة تدخّلت للحد من هذه السلوكيات».

في المقابل، أصرّ ياسر النادي على أن ممارسات التلاعب شائعة في البورصة المصرية، مشيرًا إلى وجود قضايا أكبر من قضية بايونيرز. وقال: «ما حدث في بايونيرز لا يُقارن بما شهدته بعض الأسهم التي تضاعف سعرها عشر مرات خلال فترات وجيزة دون أي مبرر منطقي».

ودافع الهنداوي عن فكرة التدرّج في نضج السوق قائلاً: «الأسواق تنمو على مراحل. ولو تم فرض رقابة صارمة خلال فترة الطفولة، لما كان لدينا سوق مالي من الأساس. أما الآن، فالسوق أصبح أكثر نضجًا ومستعدًا لمثل هذه الإجراءات».

وأشار عوّاد إلى أن المشكلة ليست في أداء الهيئات الرقابية، بل في تأخر ظهور نتائج الإجراءات قائلاً: «هذه الإجراءات قائمة منذ عامين أو ثلاثة، لكن نتائجها بدأت بالظهور الآن فقط. وحتى قضايا التلاعب الجارية حاليًا، لن تظهر نتائجها إلا بعد سنوات».

ويبدو أن تسليط الضوء مؤخرًا على قضايا التلاعب الموثّقة يعكس جهودًا قائمة وتشريعات صدرت في فترات سابقة. إلا أن تأخر صدور الإدانة ضد المتلاعبين يبقى أمرًا مقلقًا.

فالمحاكم الاقتصادية، التي أُنشئت لتسريع الإجراءات القضائية ضمن عملية تحديث تتماشى مع الأسواق المالية العالمية، تبدو وكأنها تسير بوتيرة بطيئة للغاية.

وفي الوقت نفسه، بدأت البورصة وهيئة سوق المال حملة واسعة لتسويق الإجراءات القانونية الجديدة والتحذيرات الموجهة ضد هذه الممارسات. ومع ذلك، فإن النتائج النهائية لأحكام القضاء كثيرًا ما تُنسى.

هذا النهج يهدّد بخلق حالة من التردد وعدم الاستقرار داخل السوق المالية، ويشبه إلى حد ما شرطيًّا في شارع مزدحم يكثر من الصراخ بدلًا من فرض النظام.

هذا المقال نشر أولاً بمجلة بيزنس توداى.