عاد رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس إلى تصدر صفحات الجرائد ونوافذ الإعلام الاقتصادي من جديد بسبب التفاوض مع إم تي إن الجنوب أفريقية، بعد إجازة إعلامية قصيرة تبعت حسم قضيته مع فرانس تليكوم. هل هذا فقط لأنه أغنى رجل في مصر؟ هل هذا بسبب أنه يمتلك أنجح الشركات الاستثمارية محليا وإقليميا؟
أعتقد أنه من القصور أن نرجع هذا الاهتمام ونحصره في حجم ثروة الرجل حتى ولو كانت بهذا الحجم. والدليل الذي قد يثير الاهتمام أن نجيب ساويرس أصبح نموذج أكاديميا في علم إدارة الأعمال تنفرد أفكاره الاستثمارية بفصول كاملة لكتب تدرس في الجامعات الغربية وخاصة في الولايات المتحدة. وذلك على الرغم من انه ليس الأغنى عربيا وبالطبع ليس عالميا.
وعودة لتاريخ ساويرس الصعيدى المولود عام 1955، نجد أنه إلى جانب كونه رأسمالي تقليدي، هو دائما ذو هوية أو قضية ما قد لا يفهمها أحد حتى الآن، إلا أنها لا تخرج أبدا من معادلته الاستثمارية. الأمر الذي يعد أحد أسباب جاذبية شخصيته لدى المصريين حتى لو حاولوا معاداته.
وقد بدأ حياته العملية قي مصر بعد عودته من رحلة الدراسة سنة 1987 بإنشاء قطاعا للتكنولوجيا قي شركة والده أونسي ساويرس (اوراسكوم) بوكالة من شركة HP للحاسبات. وظل يطور هذا القطاع فضم إليه وحدة اتصالات الحاسب من شركة AT&T قي عام 1990 ليستكمل منظومة العمل قي هذا المجال، ثم تطورت علاقته بالشركة حتى حصل على وكالة شركة AT&T لاجهزة الاتصالات سنة 1992 ومنذ ذلك التاريخ بداءت علاقتة بقطاع الأتصالات وشغفة به.
وفي عام 1994 أنشأ أول شركة مصرية للإنترنت InTuch، وقى عام 1996 أنشأ أول شركة للأتصالات عبر الأقمارالصناعية ESC. وفى عام 1997 كانت انطلاقتة قي عالم الهاتف المحمول بتحالفة مع شركتى فرانس تلبكوم وموتورولا بإنشاء شركة موبينيل للأتصالات التي استحوذت على 70% من الشركة المصرية لخدمات التليفون المحمول والمعروفة باسم موبينيل وكانت هذة هي نقطة التحول الثانية لرحلة تصدره نجومية رجال الأعمال.
من الواضح من تاريخ هذا الرجل أنه دائما يريد أن تكون أعماله غير مسبوقة، وأن تكون مصرية وبأيد مصرية في معظم الأحيان. ويبدو أنه يتبع نموذجا استثماريا جدير بالدراسة يتسم بكونه صندوقا للأفكار الاستثمارية. فهو على الأرجح لا يدير شركاته بصورة مباشرة كي لا يتيه في دوامات التفاصيل اليومية لاستثماراته، بل يبدو أنه يكرس معظم وقته لإدارة أفكاره التربحية بما يجعله دائما صاحب السبق الاستثماري.
قد يبدو ساويرس في حالة مطارة دائمة لجني الثروة وتوسيع استثماراته بصورة رأسمالية بحتة، لكنه من الخطأ أن نفصل طبيعته الشخصية كصعيدي عنيد عن هذا السياق. وإلا لماذا لم يقترب أي من رحال الأعمال الآخرين إلى مكانته الإعلامية. فالسعي ليه إلى الثروة يبدو أنه ليس هدفا مطلقا كما يهاجمه البعض. وعلينا أن نعترف أنه شارك في تغيير شكل صورة الاقتصاد المصري المعاصرة، وخاصة في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وكان فعلا له السبق كما يريد هو دائما.
غير أنه يثير حوله دائما الكثير من المخاوف السياسية وعلامات الاستفهام. فهو كثير التدخل في أمور ليس من المألوف لدينا أن يتطرق إليها رجال الأعمال المصريين باستثناء من تحالفوا مع السلطة، وهو بالطبع ليس منهم. فدخول هذا الرجل إلى هذا السجالات أو حتى الاقتراب منها قد يكون مرعبا لثقله الاقتصادي النافذ. فلا يعتقد أن أحدا يعرف ما يريده ساويرس، أو ماذا يدور في رأسه لخططه المستقبلية.
وقد توغل سياسيا أكثر وأكثر عندما صرح في مؤتمر طلابي بجامعة القاهرة أنه يؤيد دعوة البرادعى التغيير، وأنه على الحزب الوطنى أن يعرف أننا لسنا “غنم” ودعا الرئيس مبارك لتغيير الدستور أو تعديله، ثم قال إذا حدث كل هذا وترشح البرادعى للرئاسة أمام الرئيس مبارك سأعطى صوتى للرئيس.
أليس ذلك مثيرا للانتباه والجدل فمثله من رجال الأعمال لن يكتفي بدور جامع الثروة، فهو رجل رأسمالي ذو هوية لا يشكك أحد في وطنيتها، حيث كان بغمكانه جمع الثروة من أي بلد آخر أسهل وأقل تعقيدا وبيروقراطية. لكنه أصر على أن تكون بدايته دائما هنا. هو فعلا يستحق أن يكون نجما إعلاميا، لكنه سيظل علامة استفهام لم ولن يفهمها أحد.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.