بعد زوال فترة الإنتاجية الحقيقية تحت ظل الاشتراكية المصرية التي كانت مسيطرة في الماضي، وعقب الدخول في مرحلة جديدة من الهوية الاقتصادية المتخبطة بين نقيضي الانفتاح والانغلاق، مازال القطاع العام ومنذ عدة عقود يعمل “كإسفنجة” وهمية لحماية الاستقرار الاجتماعي من خطر أرقام البطالة العالية. فالحكومة ولفترات طويلة عكفت على حل تلك المشكلة ومواجهة هذا الخطر بتعيين أكبر قدر ممكن من المصريين في شركاتها ومصانعها، حتى وإن لم يكن لهم مكان أو حاجة، وبأقل المرتبات التي لا تكفي بضعة أيام في بداية الشهر وفي غياب أي منطق لما يسمى الحد الأدنى للأجور. والنتيجة الوردية: معدلات البطالة ليس بالخطيرة.
والحقيقية أن معدلات البطالة الحالية على اختلاف تقييماتها وتضاربها، قد تتضاعف أكثر من مرة إذا تحققنا بالفعل من الحد الأدنى للأجورالمناسب لتغطية احتياجات العامل المصري الأساسية. غير أن الحقيقة في هذه المعضلة يبدو أنها ستظل دائمة غامضة في غياب الإحصاءات والأرقام الدقيقة لهذا الوضع المتشابك الحقائق والنظريات.
أما بعد التاكيد على دخول مصر بكل قوتها في اقتصاديات السوق الحر، كان “لزاما” عليها أن تقوم بعمليات خصخصة واسعة لتلك التركة الثقيلة من شركات القطاع العام المتخمة بفائض من العمال الذي تم تكديسه في الماضي، وربما يكون ذلك أحد الأسباب التي تدفع الحكومة للبيع البخس لتلك الصول الاقتصادية. وهو تلك الاتفاقيات مع المشترين بعدم تسريح أعداد كبيرة من العاملين، والتي غالبا ما يتم التحايل عليها بصور مختلفة ومتجددة للتخلص منهم أو تطفيشهم.
فعلى سبيل المثال ذكر تقرير حديث لمركز الأرض أنه فى شركة عمر افندى تقوم الادارة بتعطيل وتوقيف أعمال بعض القطاعات فى محاولة للضغط على العمال لترك الشركة دون الحصول على حقوقهم ،فقد تلقى المركز شكاوى عديدة من بعض العاملين بالشركة تقول أن الادارة رفضت تجديد رخص السيارات التى يعملوا عليها بدعوى عدم وجود رصيد مالى لديها ثم خصمت فى نهاية الشهر الحوافز والارباح التى كانوا يحصلون عليها وقامت بعد ذلك بسحب توقيعهم بدفتر الحضور والانصراف وذلك فى طريقة جديدة لطردهم وتجاهل مطالبهم وعدم صرف مستحقاتهم ويضطر العاملين فى النهاية الى ترك العمل.
واكدت الشكاوى أن هناك عشرات العمال الذين اضطرتهم السياسة الجديدة لادارة الشركة الى ترك العمل دون صدور قرارات فصل، وأكد التقرير أن ما يحدث في شركة عمر أفندي، ماهو إلا نموذج واحد من العديد من الشركات التي تم خصخصتها وترفض تسليم العمال لحقوقهم من أجل “تطفيشهم” بالذوق.
والجديد في الموضوع هنا، وإدراكا من القطاع العام لمعضلته العمالية المزمنة، بدأت شركات القطاع ممارسة نموذج عمر أفندي وأمثاله. فظهرت الوقفات الاحتجاجية ليس ضد مشتري الشركات التي تم خصخصتها، ولكن ضد إدارات شركات حكومية بدأت في اتباع نفس تلك السياسات التطفيشية. وهذه الظاهرة يبدو أنها سياسة جديدة لحل تلك المشكلة العمالية القديمة، ربما بدافع اجتثاث المشكلات المستقبلية التي دائما ما تحدث من قبل عمال الشركات المباعة، فينتهى الصداع الأزلي برأس الحكومة ويعيش طرفي لعبة الخصخصة في سلام وراحة بال!
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.