خرجت ظاهرة التسول منذ زمن عن إطارها الإنساني إلى آخر مهني يتبعه الكثير ممن لم يجدوا لأنفسهم لا المكانة الاقتصادية التي تعفهم عن السؤال، ولا المكانة الإنسانية التي تدفعهم للتحرج منه. في كل شارع ومقهى ومحطة لأي نوع من المواصلات، تجد دائما يدا ممتدة ووجها بائسا أو مدعيا البؤس يستجديك متذللا طلبا للمساعدة “عشان خاطر الأمورة إللى معاك يارب”.
ليس من العدل أن نكون جبارين مع مثل هؤلاء لادعائهم الفقر وامتهان التسول، فهم وإن كانوا متكاسلين عن طلب العيش، ولا أحد ينكر أنه بالطبع خطيئة، إلا أننا يجب أن نعلم أن الإنسان لا يبيع كرامته ويتحول إلى هذا الكائن البليد والكاذب بمثل هذه البساطة. هم فقط سقطوا عند أول عثرات النظام الذي لم يعلمهم معنى الكرامة، ولم يحتسب لهم مكانا وسط المكتفين ولو بالقليل، هم فقط غير موجودين بسجلات الحياة، فقرروا أن يرسموها على طريقتهم حتى ولو كانت خاطئة.
المشكلة هنا فيمن أجبرته الحياة بالفعل على مد يده للسؤال. فبينهم الكثير ممن تحس أنه سيعود على الفور إلى بيته (إن كان له بيت) فور الحصول على ما يكفي حاجته التي اضطرته إلى إن يدوس على احترامه لذاته كإنسان. وهم ليسوا بالقليل، وعلينا أن نعترف بحدثنا وخبراتنا الإنسانية في معرفة هؤلاء من بين طوفان السائلين بشوارع المحروسة.
منذ عدة أيام، وجدت أحد هؤلاء بأحد تعقيدات شوارع القاهرة المليونية. رجل في أوائل الستينات من عمره، أو ربما أصغر لكن أعجزه المرض. يرتدى بدلة قديمة ولكنها كانت أنيقة، يضع نظارات على عينيه في صورة تشبه كثيرا فريد شوقي عن دوره في فيلم “الموظفون في الأرض”. غير أنه يستزيد عليه أنه كان ممسكا بعصا يتكئ عليها إثر إصابته على ما يبدو بأنه جلطة أو ما شابه، مما يعيقه عن المشي بصورة طبيعية.
لم يسأل الناس أي شيء. لم يرفع حتى يده. لم يكن لديه أي من ظواهر إجادة ما يفعله. فقط ابتسامة مصطنعة يضعها على وجهه لتغطية حرجه الهائل الذي لم تستره عيناه، وفضحه لسانه المنعقد الغير قادر على قول ما قد يدفع المارة إلى مساعدته على أي محنة كانت قد يكون الرجل واقعا فيها. هي فقط حالة التردد الشديد التي تنتابه كلما اقترب منه أحد من قطعان المارة الغير عابئين يتفاصيل وجوه البشر المحيطين، وكأنها رسمت على الحجارة في لوحة حجرية لأحد شوارع القاهرة.
يثير هذا الرجل بصدق نواياه وحاجته التي جعلته يدوس على كرامته بصورة فاشلة حتى في جذب الانتباه تساؤلات عدة عنه وعن آلاف مثله. ماذا كانت وظيفته؟ وكيف تركها؟ هل يحصل على معاش كاف؟ هل هو فوق سن التقاعد؟ أم أنه مرض ولم يعد قادرا على أن يكون جزء من طاحونة البيروقراطية، فأعطوه مكافئة هزيلة وبطاقة صحية للاصطفاف في طابور المذلة، أو عفوا المظلة الصحية المزعومة. أم أنه أحد تلك الحالات التي لا تمثل أهمية لنا، فهو رجل مسن، مريض، غير منتج، وقريبا سيريح النظام ومجتمعه المشوه بوفاته، ويستريح هو أيضا؟ وحينها ينسى الناس أن رجلا محترما كان يسير هنا مبتلعا كرامته بمرارة.
كلها أسئلة في انتظار إجابات لها. إجابات يبدو أنها ليست بالقريبة ولا بالشافية في ظل الجدل الدائر سياسيا واجتماعيا وبرلمانيا حول معجزة الحكومة الجديدة المسماة بقانون المعاشات الجديد. القانون الذي لا يبدو الغرض منه سوى نقل الصندوق المهترئ من حوزة جهة إلى أخرى قد تضيف بعض الطلاء عليه، فنهلل جميعا مبشرين بعهد جديد للعدالة الاجتماعية.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.