تعتبر شركة تى إى داتا هى أكبر شركة ناقلة للمعلومات تعتمد على نظام بروتوكول الانترنت وذلك من خلال شبكتها الوطنية ورؤيتها الإقليمية، هذا وقد تأسست شركة تي إى داتا –شركة مساهمة مصرية فى أواخر عام 2001 بواسطة الشركة المصرية للإتصالات لتكون بمثابة ذراعها فى مجال الانترنت واتصالات المعلومات (نعم التحالف).
منحت الهيئة المصرية المنظمة للاتصالات شركة تى إى داتا ترخيص فئة (أ)، ومن المعروف أن ترخيص شركة تي إى داتا يتيح لها إمكانية بناء شبكتها القومية وتشغيل بوابة المعلومات الدولية وتركيب معداتها فى مركزها الرئيسى وتقديم خدماتها التى تعتمد على بروتوكول الانترنت لمستخدميها النهائيين ولمقدمى الخدمات الأخرى.
هذا هو ما تقوله الشركة عن نفسها من خلال موقعها الإليكتروني، ذلك إضافة إلى رسالتها الوطنية الطموحة القائلة أن هدف الشركة هو “تقديم احدث خدمات الاتصالات التي تفوق تطلعات وتوقعات العملاء وتزيد حصة الشركة في السوق، وذلك عن طريق تقديم أعلى مستوى من الخدمة للعملاء باستقطاب افضل العقول والحفاظ عليها، فضلا عن تعزيز (أخلاقيات المهنة) وزرع (قيمة لعملائنا) وعاملينا ومساهمينا ومجتمعاتنا”
أعجبني كثيرا الجزء الأخير من المتحدث عن أخلاقيات المهنة وزرع القيم، والذي حقا لا أدري ما الذي كانت تعنيه تلك الشركة المحترمة التي لا تمارس سوى سياسة استغلال النفوذ وفرض الأمر الواقع تماما مثل فتوة الحارة في عهد المماليك حيث لم يجد المصريون بدا من الانصياع لما هو مفروض عليهم في ظل ضيق الاختيارات أو انعدامها.
وتجربتي مع فتوة الإنترنت هذا باختصار تجلت في محاولتي تغيير مقدم الخدمة من شركتهم الموقرة لشركة أخرى، ولكن كيف لي أن أتجرأ على ترك فتوة السوق المصري بدون عقاب؟
أولا رفضت الشركة إلغاء الخدمة في البداية، مطالبة بمثول مستأجر الشقة السابق الذي تركها منذ ما يقرب من عام وسافر إلى الهند ومعه إثبات شخصية. أوضحت لهم الأمر. ليست مشكلتنا، هذه هي التعليمات! سألت: هل عليه اشتراكات متأخرة؟ من الممكن أن أدفع بدلا منه. لا! لكنه يجب أن يحضر بنفسه من الهند. ذلك هو ما قاله لي ممثل الشركة في أحد منافذها بوسط البلد. وعند سؤاله عن سبب هذا التزمت، أجاب: هي دي مصر! الروتين في كل حته، إنت ما تعرفش ولا إيه!
اتصلت بخدمة العملاء وشرحت الحدوتة العجيبة. لم يتعاونوا! فأعجبتني القصة الخزعبلية ومطالبهم الخرافية وقررت المتابعة لنهاية الموضوع ورؤية ردود أفعالهم. هددتهم بالاتصال بحماية المستهلك وكبرت الموضوع، فأخبروني بأنهم سيعاودون الاتصال بي بعد ساعتين. مرت الساعتين ولم يتصل بي أحد. اتصلت بحماية المستهلك، وبالطبع لم أصل لأي مخلوق يعبرني.
غير أن النجدة جاءت من السماء واتصل بي أحد الكرام من شركة تي إي داتا وحاول جاهدا اقناعي بالتخلي عن فكرة إلغاء الخدمة، لكنه فشل مع إصراري وفضولي للوصول لنهاية القصة. فرضخ وتخلى عن فكرة حضور “الشاب الهندي” بنفسه إلى مصر، وأخبرني أنه قد ألغى الخدمة بالفعل، وأنني سوف أتلقي رقم إلغاء الخدمة خلال أسبوع. يبدو أن ذلك جاء نتيجة تهديدي باللجوء لحماية المستهلك (التي لم ترد علي أساسا).
انتظرت أسبوع ثم اتصلت. لاشيئ! خلال 48 ساعة يافندم، أصل المصرية للاتصالات دايما كده. وكأنهما لستا نفس الكيان، أو أنني من زنزبار ولا أفهم العلاقة. استمر الحال هكذا لما يقرب من ثلاثة أشهر أحصل فيها على نفس الإجابة وأهددهم بنفس خدمة حماية المستهلك التي لم ترد علي قط. وهم مستمرون في تكرار وعد ال 48 ساعة لكل تلك الشهور ملقين اللوم مرارا وتكرارا على سنترال المصرية للاتصالات.
ذهبت للسنترال بنفسي لأستوضح أمر رفضهم إلغاء الخدمة، حيث تم إخطارهم أكثر من خمس مرات بذلك عن طريق تي إي داتا كما أخبرني أكثر من موظف لخدمة العملاء الذين أصبحت أعرفهم بالإسم. فكان الرد “لم نتسلم أي شيئ منهم”، بل وأخبرني اثنان من كبار الموظفين هناك أن تلك هي سياسة تي إي داتا في “تزهيق العملاء في حياتهم” حتى يتراجعوا عن الرغبة في إلغاء الخدمة، وتعود المياه إلى مجاريها. مستغلين أن الشركتان الشقيقتان اجتمعتا على إذلال العملاء والحصول على أكبر حصة من السوق. وبالفعل هم ناجحون بذلك حيث يسيطرون على 70% منه بلا منازع.
اتصلت من داخل السنترال بخدمة عملاء الشركة المحترمة وأجابني “صديقي الجديد” هناك وطلب مني أن أنتظر 48 ساعة أخرى، وأخبرني أن ما تدعيه المصرية للاتصالات ماهو إلا كذب وافتراء. الله يسامحهم. لكنني لم أعد أطيق تلك اللعبة، وهددتهم تلك المرة بعمل محضر بتلك الوقائع في قسم الشرطة متهما فيه كلا الشركتين بالكذب وممارسة الاحتكار. فأغلق السيد المحترم الخط في وجهي، وقام بحجب رقمي من الاتصال ثانية بهم.
ولكن يبدو أن أسلوب التهديد والوعيد ضد فتوة الإنترنت بمصر هو الطريق الصحيح من أجل الحصول على أبسط الحقوق تحت قوانين “حارة البلطجة الاقتصادية”. ففي خلال 24 ساعة صدر أخيرا رقم إلغاء الخدمة الذي كنت أتوسل كالذليل للحصول عليه. ومن هنا، وبعد نجاحي في الانفلات من قبضة تي إي داتا، وعلمي أن آلافا أخرين فشلوا في ذلك، أنصحهم جميعا باللجوء إلى الشرطة لتحرير محاضرا ضد تلك الممارسة الاحتكارية، فهي السبيل الوحيد المتاح أمامهم في ظل غياب العدالة الاقتصادية وسيادة منطق فتوة السوق.
هذا المقال نشر أولا بجريدة البورصة.