يحكي أن فلاحا مصريا اسمه “خونانوب” من سكان وادي النطرون وجد أن مخزن غلاله قد أوشك على النفاذ، فساربعدد من الحمير المحملة بحاصلات أرضه واتجه نحو المدينة ليستبدلها بالغلال. كان الطريق يحتم علية المرور بمنزل “تحوت نخت”، أحد موظفي الدولة الذي طمع فيما تحمله حمير خونانوب فقبض عليه، وتعرض الفلاح للإهانة والتعذيب والسجن بتهمة الإخلال بأمن الدولة.
ولكن الفلاح لم ييأس وذهب إلى مدير البيت الكبير “رنزي”، وقال له بجسارة شكواه في أسلوب فصيح أعجب به، فرأى أن الأمر جدير بالعرض علي الملك نظرا لفلاحة الفلاح في شكواه، فأمر الملك مدير البيت الكبير “رنزى” أن لا يبت في شكوى الفلاح حتى يكرر الشكوى فيكون ذلك مصدرا لخطب فصيحة أخرى يستمتع بها ، وأمر “رنزى” بأن يكلف من يسجل شكاوى هذا الفلاح الفصيح ، فكانت تسع شكاوى بليغة. وتنتهي القصة بأن “رنزى” يدعو الفلاح إليه ويعطيه بيت “تحوت نخت” وكل أملاكه.
خونانوب هذا هو الفلاح الفصيح الشهير الذي وقعت تفاصيل حكايته في الألفية الثالثة قبل الميلاد. أما في الألفية الثالثة بعد الميلاد، أي بعد ما يقرب من ستة آلاف عام، مازالت الممارسات تلك جاثمة على الريف المصري من حيث مضمونها مع اختلاف التفاصيل بما يتناسب مع عصر العولمة.
فقد أصدر مركز الأرض لحقوق الإنسان تقريره الأخير عن حالة القطاع الزراعي المصري، والتي تبين أو بمعنى أدق تأكد، حيث أننا جميعا مطلعون ومدركون لآلام هذا القطاع لكننا نتناسى، أن أربعة ملايين فلاح يقل دخلهم عن دولار واحد في اليوم، ناهيك عن انهيار جميع خدمات البنية التحتية بالمناطق الريفية، وزيادة معدلات البطالة التي تصل فى بعض المناطق إلى بنسبة بلغت أكثر من 60%، كاشفا عن تدنى مستوى المعيشة بين الفلاحين إلى أدنى درجاته، وانتشار معدلات الجريمة خاصة جرائم السرقة والنصب.
وأشار التقرير إلى أن انخفاض نصيب الفرد من الخدمات الصحية سواء بالنسبة لعدد الأطباء أو الوحدات الصحية فى الريف أدى إلى إصابة 33.6% من أطفال الريف بقصر القامة و52% من تلاميذ المرحلة الابتدائية فى الريف بالأنيميا و حوالى 2.5 مليون مصابون بالبلهارسيا.
ولفت التقرير إلى ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعى ورفض الدولة تسليم المطرودين من الأرض الزراعية أراضى بديلة، فضلا عن مشاكل نقص وتلوث مياه الرى وعدم عدالة توزيعها وارتفاع أسعار الأسمدة والعلف والمبيدات وإيجارات الأرض الزراعية والضريبة العقارية والحرث والرى. والكثير والكثير.
ذلك بالإضافة إلى تفاقم مشكلات استصلاح أراض جديدة، والتى توقفت خلال السنوات الماضية، مما أدى إلى تدنى متوسط نصيب الفرد من الأرض الزراعية لأقل من 0.2% فدان. هذا إلى جانب استمرار مشكلات المتعثرين فى سداد ديونهم من المستأجرين وصغار الملاك بسبب ارتفاع فوائد القروض واستمرار سياسية القروض الدوارة.
ويضيف التقريرجانبا جديدا للصورة المشوهة للحالة التي وصل لها مجتمعنا الريفي متمثلة عدد منازعات الأراضى الزراعية خلال عام 2009 والتى بلغت 185 حادثة. مؤكدا على أن أهم هذه الأسباب كان الصراع على ملكية الأرض، والتي كان نصيب الجيزة وحدها منها 93 حادثة. وبصفة عامة، فقد بلغ عدد ضحايا هذه النزاعات 151 قتيلاً، و899 مصابا، فى حين تم القبض على 1204 آخرين.
مع كل هذه المآسي في الريف المصري المستمرة عبر التاريخ، والتي كان دائما “خونانوب” يتصدى لها ويرفضها بحكمة وبلاغة مهما اختلفت أو تطورت أشكالها أوأشكاله كذلك على حد سواء، يبدو أن خونانوب 2010 قد وصل إلى مرحلة لم يعد فيها قادرا على تغيير واقعه المحيط، فآثر الهرب إلى وليمة من فساد القيم مقدمة على “الطبق الأوروبي” أعلى سطح بيته الطيني، والتباهي بحصوله على أخر نغمات هيفاء وهبي على الموبايل الصيني الذي اشتراه بالتقسيط، بين أصدقائه الجالسين على إحدى “الغرز” المنتشرة أمام بيته على شط الترعة في مشهد اصبح من سمات المجتمع الريفي المعاصر. مشهد ضاعت فيه الحقوق، فسقط صاحبها في أزمة مع الذات.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.