أبو سويلم في فيلم الأرض: أيوة أيوة… حاربنا سوا أيام الإنجليز وأيام السلطة. روحنا الشام فى عز البرد والتلج نحارب. شوفنا الموت بعينينا، لا خوفنا ولا ولينا. دفننا بإيدينا ناس فى التلج. ليه؟ لإننا كنا رجالة ووقفنا وقفة رجالة.

وفى ثورة 19 حاربنا مرة تانية مع سعد باشا. حرقنا غيطان، قطعنا السكة الحديد ضد الإنجليز. ضربونا .. حبسونا.. مات مننا أولاد. إنما كننا رجالة ووقفنا وقفة رجالة.

وفى الإنتخابات اللى فاتت .. بلاش نتكلم عن النتيجة. إنما إحنا وقفنا معاك يا شيح حسونة، وسمعنا كلامك
كانت النتيجة إيه؟ إنضربنا .. إتهانا. لكننا كننا رجالة ووقفنا وقفة رجالة. وبعدين! دلوقت بقينا فين؟

مشهد مؤثر وعبقري للكاتب الراحل عبد الرحمن الشرقاوي لا ينساه احد، ويستحيل على من يشاهده أن يشكك في مصداقية محمود المليجي الذي حفر تلك الكلمات في أذهاننا كما حفر الزمن تجاعيده على وجهه الحزين.

مشهد يتذكره البعض ويبكي لرؤيته كلما تكرر. والبعض الآخر يضحك جاعلا منه “إفيه” كوميدى يعبرون به عن التضامن الهزلى بين أفراد المجموعة الواحدة، سواء في مدرسة ثانوية فاشلة، أو في حرم جامعي يعلم ما يكفي فقط لأن تكون إمعة اجتماعية.

مشهد فقد من مصداقيته المضمون، ولم يعد من سوى المزحة السخيفة، أو مبدأ التضامن مع أي كان سواء في الصواب أم الخطأ. المهم أن نكون رجالة ونقف وقفة رجالة.

وما حدث الأسبوع الماضي من عاصفة صحفية ضد ماجد شوقي الرئيس السابق للبورصة المصرية المتعلقة بأخبار عن استدعائه للتحقيق فى إهدار المال العام أثناء فترة عمله بها، بناء على شكاوى من بعض المستثمرين الذين تضرروا من قراراته وأسلوب إدارته للبورصة على حد زعمهم. الأمر الذي وجد طريق سهلا للتصديق وخاصة كونه تلا مباشرة تعيين رئيسا جديدا لها بصورة مفاجئة على استحياء بين الحقيقة وطلب التنحي في هذا الوقت.

تبع ذلك مع نهاية الأسبوع بيانا صارما من البورصة المصرية التي يترأسها حاليا خالد سري خلفا لشوقي، ناقيا تلك الأخبار التى تداولتها وسائل الإعلام بشأن استدعاء المستشار عبدالمجيد محمود، النائب العام، لـ«ماجد شوقى» رئيس البورصة السابق، لسماع أقواله فى التحقيقات التى تجريها نيابة الشؤون المالية والتجارية. وقالت «البورصة» فى البيان إنه لم يتم إبلاغ أو استدعاء أو مخاطبة ماجد شوقى لسماع أقواله فى أى تحقيقات، وأن جميع القرارات التى اتخذتها لتنظيم آليات التداول فى السوق جاءت وفقا للقواعد والقوانين المنظمة لسوق المال المصرية.

الأمر الذي يعد أغرب من الخبر ذاته، على الرغم من عدم صحته. فما العيب من أن يتم استداء ماجد شوقي للتحقيق أو حتى التفكير في ذلك، ولماذا يقوم الرئيس الجديد بهذا التكذيب “على البحري”. أليست دولتنا دولة قانون يحق لمن وقع عليه ظلم ما أن يشكو وأن يتحقق صاحب السلطة القضائية باستدعاء من يتهم بتلك المظلمة؟ ويحق أيضا له أن يدافع عن نفسه، وأن يخرج منها بريئا في حال نزاهته؟

أم أن حياتنا وأنظمتنا المعاصرة تسير على مبدأ أبو سويلم بصورته الهزلية، والرجولة المطلقة بغض النظر عن الصواب والخطأ. هل مؤسساتنا أصبحت عزب منفصلة عن الحداثة والقانون والحقوق المدنية. أو ربما أن أصحاب السلطة لدينا كلهم رجالة واقفين وقفة رجالة؟

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.