في مؤتمر الجامعة الأمريكية بالقاهرة الذي انتهى مساء تلك الجمعة الماضية تحت عنوان “المؤتمر السنوي الخامس عشر لجمعية الاقتصاد المعياري الأفريقية”، والذي أقيم لأول مرة بمصر، كان أبرز المتحدثين البروفيسور بول كوليير أستاذ الاقتصاد، ومدير مركز دراسات الاقتصادات الأفريقية بجامعة أكسفورد البريطانية. وهو كاتب مشهور في مجال تخصصه، وحاصل على العديد من الجوائز العالمية عن كتبه الاقتصادية إضافة إلى حصوله على لقب فارس من البلاط الملكي البريطاني.
هو أحد أولئك المهمومين بماساة تبديد ثروات العالم الطبيعية، وخاصة في الدول الأفريقية التي يستغلها العالم من كل أسقاع الأرض مبددا ثرواتها، مضيعا حق تلك الشعوب في الاستفادة منها، ليس في الوقت الحاضر فقط، بل للأجيال المستقبلية أيضا، حيث أن تلك الموارد ليست متجددة.
وفي كتاب لكوليير تحت عنوان “الكوكب المنهوب” The Plundered Planet، يحاول الرجل لفت انتباه العالم إلى خطورة وظلم ما يحدث في افرقيا من سرقة للشعوب، وهو كتاب قد يكون موجه للأفارقة أكثر من أي من سكان الأرض. وهويشير في كتابه إلى ثلاثة كبسولات مضغوطة من مفاهيم الفساد المختلط بكيفية إدارة الثروات كمايلي:
ثروة طبيعية – تكنولوجيا + فوضى = مجاعة
ثروة طبيعية + تكنولوجيا – نظام = نهب
ثروة طبيعية + تكنولوجيا + حكم رشيد = رخاء
وفي كلمته أمام المشاركين في المؤتمر، اتهم كوليير “العالم المتقدم” بدون تسمية فيما عدا الصين، اتهمهم جميعا بنهب ثروات أفريقيا وتبديد حقوق شعوبها مستغلين إما ضعف حكوماتها أو فسادها. وأكد أيضا على أن أفرقيا إذا استطاعت أن تدير ثرواتها بصورة صحيحة ستخرج فعلا من محبسها بين أفقر الدول وأقلها تنمية في العالم.
ولم يبرئ كوليير الشعوب الأفرقية من تهمة المشاركة في مؤامرة نهب ثرواتهم عن طريق الدول الكبرى، وذلك عبر صمتهم وسلبيتهم على حد تعبيره. وطالب المجتمعات الأفرقية باتخاذ كل التدابير المطلوبة من أجل إدارة تلك الثروات من خلال الحكم الرشيد، والتقدم التكنولوجي، والفهم الجيد لحق الأجيال المستقبلية في الاستفادة من الثروات الحالية.
تعجبت كثيرا من حماسة هذا الرجل البريطاني أبيض البشرة، تجاه إخوانه البشر من أبناء القارة السمراء، والذي بدا صادقا في دعمه لهم زدفاعه عن ثرواتهم. لكن كلمته غاب عنها تماما المحور السياسي العالمي الدافع لمثل عملية النهب هذه، حيث كان شديد الدبلوماسية في حديثه رافضا لتوجيه الاتهام لأي جهة بعينها بخلاف الصين التي يبدو أن بينه وبينها مشكلة ما، وقد يكون معه الحق.
الأمر الذي دعاني لسؤاله عن هذا البعد السياسي الناقص في حواره والغير محدد عن دور النظام العالمي متمثلا في الدول الكبرى والمنظمات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد وغيرها في إيجاد البيئة المناسبة لمثل عمليات النهب هذه الذي لا يستفيد منها سوى الأنظمة الفاسدة أو المستبدة في توسيع ثروة حكامها وإبقائهم لفترات أطول على رأس السلطة.
استحسن معظم الحضور السؤال وتأهبوا لسماع وجهة نظر كوليير، غير ان البروفسير يبدو أنه لم يشارك الحضور اهتمامهم بهذه النقطة، حيث علمت لاحقا من سيرته الذاتية أنه كان يعمل في البنك الدولي، أحد المساهمين الغير مباشرين في تعميق إفقار الفقراء.
لم يرغب كوليير في إلقاء اللوم على أحد، وأصر على أن الشعوب الأفريقية عليها أن تدافع عن نفسها وأن تحمي ثرواتها عن طريق تفعيل وإشراك المجتمع المدني في قضايا الخاصة بإدارة الثروة بأيد وطنية تجنبا لأيدي الدول الكبرى “الطويلة” وفساد وضعف الحكومات الأفريقية.
لكنه لم يقل كيف لهم ذلك وسط هذا الفقر المدقع، وبطش حكامهم، وتلاعب الدول الكبرى بحقوقهم عن طريق اتفاقيات نهب ثنائية يتم توقيعها هنا وهناك. وذلك الضغط غير العادي على تلك الدول لتحرير آليات السوق، لا أدري كيف! حيث أنها غير موجودة أصلا. الأمر الذي يؤدي إلى حدوث تلك الفوضى الاقتصادية العارمة، فيتدخل الطامعون أكثر، وتتسارع عمليات النهب أكثر وأكثر، وكله تحت حماية القانون.
لم يكن البروفسير بول كوليير راغبا في الاعتراف بذلك أو الدخول في تفاصيله على رغم حماسته تجاه القارة فقيرة الشعوب غنية الثروات. هو إذا أحد أولئك المحترمين المسالمين الذين يشعرون بالذنب تجاه نهب عالمهم المتقدم لعالم أفريقيا الضعيف المتخلف، هو يعترف أنها سرقة، لكنه لا يريد أن ينظر للسارق في عينه، بل إنه يلوم المسروق على عدم حمايته لبيته وماله.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.