يحترف ميكانيكي السيارات المصري كل أشكال التحايل على فقدان الأمل في إعادة أس سيارة خردة للحياة. يستطيع هذا العبقري أن يركب محرك بيجو لهيكل سيارة فيات على إطارات جيب، تسير جميعا ببركة الدريكسيون المرسيدس. أما الدوائر الكهربية لهذا الكائن الخرافي، فشباب مدينة الحرفيين، بارك الله فيهم، لا تعجزهم معضلة، ولا يستعصي عليهم سلك.
تسير تلك السيارة بأعجوبة في طرقات المحروسة، تهز الأرض فخرا ببراءة الاختراع، تماما كما تهزها جلبة وضوضاء وتلوث. وإذا أصابها مكروه والعياذ بالله، دائما ما تجد من يقوم برعايتها، حتى ولو في مكانها. تغيير سلك، أو إلغاؤه، أو ربما اختراع دائرة أخرى من وحي الخيال.
أما لو كانت قد صدمت على أحد الطرقات نتيجة لترنحها، أو ربما رقصها خيلاء بتميزها بين نظيراتها من السيارات الطبيعية. فلا حاجة لأي مركز صيانة أو ربما حتى لا يضطر صاحبها اقتيادها لأحد ورش السمكرة.
يأتيك أحد العباقرة بمطرقة وقطعة خشب مكعبة تغطيها بقع الزيت منذ عشرات السنين، يخبطها خبطتين على البارد بدون الحاجة لأي إسعافات أخرى، وتقوم السيارة من وعكتها “زي الحصان”، معاودة تبخترها على الطريق بكل زهو دون الحاجة لإعادة فحص أو إجراء ما من أي جهة مرورية، وكله على الله.
وحال السيارة المصرية وسمكرتها على البارد، لا تختلف كثيرا عن سمكرة التشريعات والقوانين الاقتصادية في ذات البلد. كله بيمشي تمام، وخليها كده عما تفرج. قوانين وقوانين، يتبعها قوانين، كلها سكة عالواقف وبسرعة عشان الطريق يمشي، وربك يحلها بعدين.
لكن العقل زينة، وعلينا أن ندرك أن الله لن يسمح لنا بعدم إعمال عقولنا التي أنعم علينا بها. لابد وأن يكون هنالك لحظة ما يتوقف فيها كل شيئ. لحظة لن يعرف فيها السمكري وخشبته المزيتة أن يعيد الحياة لكيان ممسوخ فاقد للهوية الاقتصادية. والأمثلة تظهر وتتساقط واحدا تلو الآخر، لكن الطريق مازال سالكا.
وقصة أزمة مشروع مدينتي الأخير هي مثال حي على ذلك. فهناك أربعة قوانين منظمة لمنح الأراضى وهى قانون هيئة تنمية المجتمعات العمرانية الصادر سنة 1979 وقانون استصلاح الأراضى والتنمية الزراعية سنة 1981 وقانون تنمية المجتمعات الصناعية الصادر سنة 1995 وقانون تنمية المجتمعات السياحية سنة 1997 وكلها قوانين خاصة معمول بها فى الوزارات المختلفة وتقصد هدف معين سواء تنمية زراعية أو صناعية أو سياحية.
وقد وافقت الحكومة على قانون عام منظم للمزايدات والمناقصات يحمل رقم 89 لسنة 1998 يتضمن الشروط العامة لمنح الأراضى على مستوى الجمهورية دون وضع الخطوط الفاصلة بين القانون العام وباقى القوانين الأربعة الخاصة المنظمة لمنح الأراضى للمستثمرين، بل أصدر مجلس الوزراء سنة 2001 على العديد من اللوائح العقارية المنظمة لطبيعة عمل قانون هيئة تنمية المجتمعات العمرانية، وهو ما يمثل اعترافا رسميا من الحكومة بقانون هيئة تنمية المجتمعات العمرانية الصادر سنة 1979 رغم صدور القانون العام المنظم للمزايدات سنة 1998.
غير أنه في المشكلة التي أثيرت حول قضية مدينتي وقانونية ملكيتها لأرض المشروع، استندت محكمة القضاء الإدارى فى حكمها إلى قانون المزايدات والمناقصات الصادر سنة 1998 ولم تعترف بقانون تنمية المجتمعات العمرانية الصادر سنة 1979 واعتبرت كل التعاقدات التى تتم بموجبه باطلة.
فخرجت الشركة صاحبة المشروع قائلة وبحزم: هذا الحكم ناتج عن نزاع بين هيئة المجتمعات العمرانية والقضاء الإدارى والشركة ليست طرفاً فيه ولا دخل لها به.
إذا فهيئة المجتمعات العمرانية، على حق، وكذلك القضاء الإداري على حق، وشركة مدينتي بريئة براءة الذئب من دم ابن يعقوب. إذا لم يعد هناك سوى متهم واحد تجمعت وتأكدت حوله كل الشبهات، ويجب توقيع أقصى عقوبة عليه في ميدان الكيت كات. إنه الآثم قلبه سمكري مدينة الحرفيين، الذي لم يتعلم من صبيه بلية الفرق بين السمكرة عالبارد والسمكرة عالسخن.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.