كتب يوجين يوستين، مدير المخابرات المركزية الأمريكية الأسبق في شهادة عن عبد الناصر قائلا “مشكلتنا الحقيقية مع جمال عبدالناصر أنه بلا رذيلة. ما يجعله من الناحية العملية غير قابل للتجريح. فلا نساء ولا خمور ولا مخدرات. كما لا يمكن شراؤه أو تهويشه. نحن نكرهه ككل، ولكننا لا نستطيع أن نفعل تجاهه شيئا، انه فعلا بلا رذيلة وغير قابل للفساد”.
إن المقطعين في فروة عبد الناصر من الكارهين لعصره، وهم في زيادة مضطردة، دائما ما يسقطون في شرك الخلط بين الأوراق. الخلط بين ماهو فردي متمثلا في شخصه، وماهو سياسي متمثلا في في النظام الجديد حينها الذي فرضه على البلاد. الأمر الذي يجعلهم دائما في قلب مرمي المدافعين عن الثورة والواضعين لمساحيق الزينة على وجهها.
فالقارئ في تاريخ مصر الحديث والمعاصر من بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية قد يجد أن تلك الثورة، التي لا تتعدى كونها انقلابا عسكريا بسيطا تم تضخيمه إعلاميا، كانت تطورا شبه حتمي لنظام عالمي جديد يعيد تقسيم موازين القوى، ونظام محلي واهن أهان نفسه بمهزلة 48، وتجاذبات سياسية معقدة أظهرت فتور الملك وعجزه حتى عن السيطرة على أهل بيته. فعشقه لمصر كما أظهرت الوثائق مؤخرا، لا يمكن أن يكون وحده كافيا لإدارة ملكه.
نعم كان نظاما ضعيفا واهيا تحتم سقوطه، لكن علينا ألا ننسى أن من يسمونهم المقهورين في هذا العصر من الفلاحين وغيرهم، كان لهم من القوة السياسية، على رغم فقرهم المدقع، عبر صناديق الاقتراع ما يمكنهم من إسقاط الباشا صاحب العزبة التي يعيشون على أرضها في انتخابات لا توصف باقل من أنها حقيقية وفاعلة.
كانت البورصة المصرية بين الخمس الكبار بالعالم، وكانت بورصة القطن الأولى ، وكان الدولار ب17 قرش، والجنيه الاسترليني ب 42 قرش، وكانت مصر تدين الكثير من الدول العظمى. هو كان نظاما رأسماليا حرا وناجحا إذا، لكنه لم يوفر لمفهوم الدولة معنى الهوية القومية والسيادة في قضايا لا يمكن أن تترك لعبثية حكومة ملكية رخوة.
جاءت الثورة الحتمية، وثار الجميع مهللين لها ومرحبين بعودة الكرامة وهيبة الدولة. وأعادت توزيع الثروة بغض النظر عن عدم عدالة نزعها من معظم أصحابها. أصبح للفلاحين أراضيهم الخاصة، وصارت المصانع هنا وهناك في ظل نظام اشتراكي بدا قاسيا لكنه كان ذو هوية مقبولة وقتها على الرغم من تحول النظام من دكتاتورية الباشوات إلى دكتاتورية رؤوس المؤسسات من أعلام قيادات الثورة.
والمقارنة هنا بين نظامين لم يقتربا من العدالة في مجملهما. أولهما رأسمالي ملكي له حياة سياسية مدنية كانت معقولة، بما يكفي لتطورها ربما إلى مظلة شاملة عبر الزمن تشمل فقراء مصر من فلاحين وعمال عبر نقابات ومجتمع مدني فاعل كما حدث في الكثير من الدول التي التزمت برأسماليتها.
وثانيهما اشتراكي سلطوي دعم هوية الدولة وأعاد مكانتها الإقليمية وكفل مواطنيه بحقهم في الحياة دون جوع أو جهل، في ظل غياب حياة سياسية فاعلة أفقدته حراكه المدني. لكن التاريخ لاحقا اثبت أن هذا النموذج أيضا كان من الممكن أن يفضي إلى مزيد من الحقوق والحريات الاقتصادية والسياسية مع مرور الزمن كما حدث في دول أخرى. وعلينا ألا نعيب في المطلق على الاشتراكية بسذاجة المتحمسين، فيجب ألا ننسى أن الدول الاسكندنافية على تقدمها وثراء أفرادها وحرية أنظمتها تصنف على أنها اشتراكية.
والعيب لا يكون بالضرورة في الاشتراكية أو الرأسمالية فالالتزام بأيهما غالبا ما يؤدي إلى تطور ما لصالح الشعوب. أما عندما تتحول الرأسمالية الجديدة حاليا إلى سلطة رجال الأعمال بعد أن كانت بيد البشوات ثم العسكر، فما هي إلا القبيحين معا اتحدا ضد الشعب فيما يشبه “الوسية” عبثية الهوية بين الرأسمالية والاشتراكية التي لا تفضي إلى أي شيء سوى مزيد من الفقر والجهل والهوان بين الأمم.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.