أعلن البنك المركزي الصيني مساء الجمعة أن اقتصاد دولته أصبح بالفعل ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، مؤكدا التوقعات التي أشارت إليها الكثير من المؤسسات الاقتصادية العالمية في الشهر السابقة بتخطيه لحجم نظيره الياياني. وقد نجحت الصين فى مواجهة الأزمة المالية العالمية من خلال خطة عملاقة بقيمة 586 مليار دولار 2009،
وبلغ كذلك معدل النمو لديهم 11.1% فى النصف الأول من 2010.

هذا النوع من الأخبار لدينا في هذا الجانب المستضعف من العالم عن طريق قراصنة القوى الإمبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة دائما مايجد طريقه داخل قلوب شعوب تلك المنطقة المتلهفة لأي تغيير في السياسة العالمية الظالمة، والمنتظرين لتحقق النظريات المبشرة بسقوط العم سام، بلطجي القطب الأوحد.

صحيح أننا كعرب ننتقد في الصين اختراقها لأسواقنا وتدمير سلعها للصناعات الوطنية، لكن أعيننا في المقابل تتوهج بهذا البريق الساذج المتحفز لسقوط “قوة الشر الأمريكية” فور استيقاظ ذلك التنين النائم في تلال الشرق، مطمئنا لنصاعة تاريخه مع منطقتنا الخالية من أي أطماع استعمارية، بل المليئة بالكثير من المواقف الداعمة لقضايانا. لكن أليست تلك لعبة السياسة التي تتبناها الصين مترقبة للحظة الملائمة لإيقاظ تنينها لقيادة العالم؟

يتعجب المرء كثيرا من تلك الفرحة الساذجة الناتجة عن تلك القفزات الصينية في ميزان القوى العالمي! فما الذي يضمن أن هذا التنين النائم قد يكون أكثر رحمة علينا من ذلك الثور الهائج الذي يتلاعب بمصائر شعوبنا. علينا أن ننظر بعمق في تاريخ الصين المعاصر من بعد قيام ثورة ماو تسي تونج وتأسيسه لتلك الدولة الشيوعية التي قست على أبنائها أكثر مما قسى سفاحو السوفيات على أعدائهم.

لماذا ننسى دائما أن الصين في دكتاتوريتها ومذابحها ضد الأقليات ضربت مثلا فاق مافعله الكثير من قادة الغرب بما فيهم الولايات المتحدة؟ أليس قهر قوات التنين الذي يقال عنه أنه نائم لأبناء الإيجور المسلمين في غرب الصين العام الماضي شاهدا على دمويتهم وسودويتهم؟ ألا تعد تجاربهم النووية في الأراضي الصينية المسلمة إسقاطا لأدنى مفاهيم الرحمة حتى تجاه الحيوان، فمابالك بالإنسان!

على المتابع للأخبار اليومية ألا يسقطه التفاؤل من تقدم الصين وكأنها مخلص المستضعفين من قاهرهم في غض بصره على أنه في نفس يوم إعلان هذا التقدم الاقتصادي المعجز في تاريخهم تصادف مع أربعة أخبار أخرى مهمة لو اعتبرنا منها قد نفهم أننا نتعامل مع عدو مستقبلي وليس حليف.

أولها يعبر عن ديكتاتورية الفكر الأوحد المصرح به من الدولة، حين أكدت شركة جوجل في رسالة على موقعها الالكتروني ان خدماتها للبحث على الانترنت والهاتف المحمول في الصين قد تم عرقلتها. والثاني يعبر عن مدى الاستمرار في سياسة استغفال العالم حيث أكدت الصين إنها لا تسعى إلى الهيمنة ولا تنوي الدخول في أي سباق تسلّح في العالم، وهو أمر عار من الصحة كما تؤكد الكثير من التقارير الأخرى، وكذلك الخبر الثالث وفي نفس اليوم الذي يؤكد عاى أنالصين قد أجرت هذا الاسبوع مناورة بحرية وجوية كبيرة عند شواطئها جنوب شرق البلاد، في بحر الصين الجنوبي، بالتزامن مع المناورات البحرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. أما الخبر الرابع المتزامن مع سابقيه فهو إعلان أن الصين قررت إطلاق أول قمر صناعى عالى التردد لرسم الخرائط المجسمة فى النصف الثانى من عام 2011 بعد ثلاثة أعوام من التجارب والأبحاث.

ألا يعد ذلك كله مؤشرا على نوعية قائد العالم الجديد الذي بعد أخطر من سابقه؟ ربما تلطخت أيادي الغرب بالكثير من دماء ضحاياه، لكنه على الرغم من إجرامه يمكن التحاور معه بناء على بعض التفاهمات من أبسطها أنهم يؤمنون بنفس إله الأديان السماوية التي تتشابه في معظم الثوابت على الرغم من تصارع أبنائها على الثروة والسلطة. أما أبناء التنين فلا يؤمنون ولا يفهمون سوى لغة القهر التي والتبرير له كما تشهد شعوب المسلمين والبوذييين والهندوس هناك، وترسم دماء من ذبحوا في الميدان السماوي ببكين ممن حاولوا فتح فمهم شخصية قائد العالم الجديد.

هذا المقال نشر سابقا بجريدة البورصة.