قررت الأسبوع الماضي لجنة المخصصات فى الكونجرس الأمريكى تخفيض المخصصات المالية لنشر الديمقراطية فى مصر والمعروفة باسم Democratization Program، الأمر الذي يعكس اتجاه الولايات المتحدة لتخفيف الضغوط على النظام الحاكم فى مصر فى مسألة نشر الديمقراطية ودعم الحريات، أو هذا ما رآه العض.

وقد خصمت اللجنة ٥ ملايين دولار من إجمالى 25 مليونا كانت قد طلبتها الإدارة الأمريكية للسنة المالية 2011، على أن تخصص لنشر الحريات ودعم الديمقراطية، ليصبح المبلغ الذى وافقت عليه اللجنة 20 مليونا فقط.

في نفس الوقت ومن ناحية أخرى وصف المستشار عدلي حسين محافظ القليوبية مشروع القانون الذي تقدم به جون ماكين مرشح الرئاسة الأمريكية السابق وعضو الكونجرس حول دعم الديمقراطية في مصر بأنه قانون “مشبوه” يسعى إلى ضرب الأمن القومي المصري وإحداث وقيعة بين مصر وشركائها محليا وإقليميا وعربيا وإسلاميا حيث تضمنت مبررات المشروع أن مصر تمثل أمنا قوميا أمريكيا مما يدل على خبث ومكر وسخف شديد ينال من قدر مصر على حد تعبيره الذي نقلته الصحف المحلية.

هذا ومن المعروف أن المعونة الأمريكية لمصر قد وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ اتفاقية كامب ديفيد إلى فقط 250 مليون دولار. وهو مبلغ لم يعد ذو قيمة فاعلة في اقتصاد بحجم دولة مثل مصر، وفي ظل حالة التضخم على الصعيدين العالمي والمحلي. ولا يفهم واقع السباب التي قد تؤدي بالحكومة المصرية بقبول استمرار هذه المعونة الغير مفيدة نسبيا. بل وعلى العكس فالنسبة الأكبر منها تعود إلى الولايات المتحدة في صورة رواتب عالية جدا لموظفي المعونة في مصر التي يشترط أن يكونوا في المعظم أمريكان، وكذلك السلع والمعدات التي يشترطها المانحون أن تكون مستوردة من بلادهم، ناهيك عن قطع الغيار التي تسبب عبئا على الميزان التجاري المصري.

أما التدخلات السياسية، فحدث ولا حرج. تدعي الولايات المتحدة دائما بأنها لا تتدخل في الشؤون المصرية، وهو قد يبدو ظاهريا صحيح على ما يبدو للمواطن العادي على الأقل حيث لا نعرف ولن نعرف ما يدور في الاجتماعات خلف الأبواب المغلقة بين حكومات العالم. لكن المواطن البسيط المتابع للأخبار يستطيع بسهولة أن يدرك مدى الضغوطات الأمريكية التي تمارس على مصر في قضايا محلية وإقليمية فقط بتصريح إعلامي هنا وآخر هناك كجزء من منظومة التدخل الغير المباشر في سياسة اتخاذ القرار المصري تحت ضغط سياسة المكر الإعلامي الأمريكي.

250 مليون دولار، منها 20 مليون فقط (ثمن سيارة فارهة) “لدعم الديمقراطية”، تضع السياسة الحكومية واستقلالها تحت مساءلة دولة أجنبية سيئة النية وواضحة الأجندة الطامعة في المنطقة. أليس ذلك عبثا سياسيا غير مبرر.

أي ديمقراطية تنشدها الولايات المتحدة وتعمل على نشرها في مصر عن طريق هذا المبلغ عفوا “العبيط”، والذي تم اقتصاص 5 ملايين أخرى منه، وكأنهم يقولون “لأ هو كده كويس!”

صحيح أن مصر في حاجة ماسة للديمقراطية وبث الروح في الجسد السياسي المصرى المنسي في غرفة العناية المركزة منذ عقود دون رعاية في مستشفي حكومي منعدم الخدمة. لكن علاج حالته الحرجة لايمكن أن تجيئ من مستشفى أجنبي آخر عن طريق هذا المبلغ الحزين ولو حتى بمئة من اضعافه. العلاج لن ياتي إلا من الداخل، وكفانا إهانة لأنفسنا.

إن ما يحدث سنويا مع مهزلة المعونة الأمريكية يشبه تماما ذلك الرجل البسيط من أحد عشوائيات الصفيح الذي أعطوه بطاقة تموين وأخبروه بأن يذهب لأحد مطاعم مكدونالدز من أجل وجبة كومبو كاملة سنويا. فيقرر الرجل الموافقة على الأقل للراحة من أكل الفول والطعمية ولو ليوم واحد كل عام. فيفاجأ بموظف المطعم الأمريكي الشهير بإعطائه شنطة بابتسامة ومعاها بوسة ويخبره باستهتار: مافيش بطاطس السنة دي يا حبيبي!

نشر أولاً بجريدة البورصة.