ألا يا من تدعون الرجولة، لا تتولو عن أعراضكم
الغاب ما عاد يحكمه ما ألفنا من أسود زائرات
فالسيد اصبح ثعبان، يلقي ببقايا الحملان
لكلاب تحرسه أبدا جائعات
تحاول الأبيات الشعرية السابقة من قصيدة “هويتي العربية” في صورة مستترة ورمزية أن توضح الفرق بين الإمبريالية التي عرفها العالم سابقا، وتلك الصورة الجديدة لها عالية المكيدة والدهاء والخبث. تماما كما يختلف الأسد في سلوكه القيادي للغابة عن سلوك الثعبان الذي تربع على عرشها بعد اختلاف قواعد اللعب والسلطة على باقي مملكتهم. مملكة البقاء للأقوى.
فهل تلك المملكة الحيوانية التقليدية تختلف كثيرا في إدارتها وفلسفتها عن تعامل بني البشر مع بعضهم البعض؟ يبدو أن الفرق ليس بالكبير كما تدل شواهد الأحداث التاريخية القديمة والمعاصرة. ولنتفق ولو جدلا أن العالم فعلا لا يمجد سوى الأقوى ويطلق له كل الصلاحيات.
الأسد والثعبان، حيوانان. وكونهما كذلك هو تكريم لكل بشر اختار أن يحترم فطرة الله الداعية للرحمة بين شعوب الأرض وقبائلها كما دعانا في كتابه الكريم، وأن يرتقي بذاته فوق ممارسات الغابة، لأنه ولي الله في الأرض، لأنه إنسان. لكن الكثير أبوا أن يفعلوا ذلك، وقرروا أن يقودوا المستضعفين بمنطق الغاب، بين فلسفة أسد وأخرى لثعبان.
بريطانيا، المستعمر القديم البائد. هي تجسيد للطاغية بعقلية حيوان الأسد. تستعبد وتظلم وتتجبر باطشة لمن دون قوتها بلا رحمة. لكنها كانت دائما تفعل ذلك وجها لوجه دون مواربة. حتى في مراحل كيدها ومكرها الناعم، لم تكن لتخفيه أو تجمله. فبريطانيا عندما قررت تقسيم العالم العربي لدويلات بحدود سياسية على سبيل المثال، تعمدت وبعين جريئة ودون مواربة خلق نزاعات خلافية على الحدود بين الأخوة لثنيهم عن أن تقوم لهم قائمة. لم تخفي ذلك، بل وتفتخر به من أجل حماية العالم من شر “برابرة الصحراء”. وهذه كانت غابة القرن الماضي.
أما الآن، وفي عصر الوريث الأمريكي للبائد البريطاني، تولى قيادة العالم منطق الثعبان في إدارة ملكه وضحاياه من خراف العالم وحملانهم. فالمال والصبغة الاقتصادية للسيطرة باي ثمن تغلب على أي مما قد يعرف حتى عن الحيوانات التقليدية في منطق الغابة. فلا كرامة، لا شرف، لا خجل.
تدخل أمريكا لعبة توليد الكراهية: إيران محور الشر، خطر تصدير الثورة الإسلامية، دفع العراق بقوة ودعمها لمحاربة عدو البشر، دور العراق للشرب من نفس الكأس واحتلالها، إيران مازالت الخطر الأعظم. ولكن ما الذي سيحل بحلفاء أمريكا من العرب المساكين المواجهين لهذا الهلاك الإيراني القادم عبر الخليج؟
صديقتي العزيزة دولة الكويت، ليس أمامك أي اختيار! لابد أن نقف بجانبك ونحميك من هذا الشر المستطير. وعليه، بلغت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الكونغرس اعتزامها بيع الكويت أحدث نسخة من صاروخ باتريوت الاعتراضي بعدد 209 قطعة وتكلفة 900 مليون دولار أمريكي (أوكازيون رمضان)، وذلك من أجل تعزيز شبكة الدفاعات المتكاملة الرامية لإحباط ما تعتبره الولايات المتحدة تهديدا للكويت. والذي يعني إيران، لكن “الأدب” يمنع الثعابين دائما عن الإفصاح عما بداخلها في بياناتها الإعلامية.
ثم تبع هذا التطور الاستراتيجي العدواني الكبير، بيان الرئيس البطل باراك أوباما نصير العرب والمسلمين، الصادر عن البيت الأبيض بمناسبة شهر رمضان المبارك جاء فيه من العبارات الرائعة ما يلي “إن رمضان احتفاء بديانة عرفت بتنوعها ومساواتها بين الأعراق”، وجاء كذلك “إنه يذكرنا بالمبادئ التى نتشارك فيها، وبدور الإسلام فى نشر العدالة والتقدم والتسامح وكرامة كل أبناء البشر”، وأخيرا “إن رمضان يذكرنا هنا فى الولايات المتحدة بأن الإسلام كان دائماً جزءاً من أمريكا, وأن المسلمين الأمريكيين قدموا مساهمة كبيرة فى بلادنا”.
فهل أدرك البشر المحكومون في غاب الحيوان الفرق بين أسد وثعبان؟
نشر سابقا بجريدة البورصة.