تتصدر مآسي الشعب الباكستاني المشرد بفعل الفيضانات التي قيل مبدايا أنها الأسوء منذ سبعين عاما، ثم عاود الخبراء وأكدو أنها الأسوء في تاريخ البلاد على الإطلاق. 20 مليون إنسان في العراء، تصل المياه لرؤسهم إن كانوا من المحظوظين الذين فشلوا في الاحتماء بمرتفع يعصمهم من الماء. الجوع والمرض والذل والمهانة غنتهاء بالموت قهرا إن لم يكن غرقا، هي الخطوط العريضة لوصف مأساة أمة تقول لا إله إلا الله.

تلك الأمة على فقرها التاريخي، لديها من القيم لدى شركاء البشري حتى على اختلاف أديانهم، ما برفع رؤوسهم فوق التاريخ، لكنهم في حاجة ماسة لم يرفع رؤوسهم الآن فوق الماء العكر والملوث المحمل بالكوليرا وطواعين أخرى.

لا ينتبه العالم بذاكرته الانتقائية المشروطة بالمصالح والتعالي الأجوف أنه في عام 1953، عندما غمرت مياه الفيضانات أجزاء واسعة من مقاطعة زيلاند الجنوبية الغربية، والتي تعرضت لعواصف قوية مصحوبة بأمطار غزيرة راح ضحيتها أكثر من ألف شخص، تبرع الشعب الباكستاني لمساعدة ضحايا الفيضانات في هولندا.

في متحف الفيضانات بمدينة اوفركيرك ثمة شريحة توثق المساعدة الباكستانية للضحايا الهولنديين. الشريحة عبارة عن لوح زجاجي كان يوضع في دور السينما، وقد وجدت هذه الشريحة بالتحديد بالقرب من ميناء مدينة كراتشي في مارس عام 1953 لجمع التبرعات لهولندا.

أما الآن في أغسطس من عام 2010، عندما انعكست الأمور ماذا فعل الهولنديون؟ كل خير إن شاء الله!

نشرت صحيفة ألخمين داخبلاد صورة لأطفال باكستانيين، جميعهم ضحايا فيضانات الرياح الموسمية، وتتساءل الصحيفة قائلة: “هل تصل تبرعاتكم إليهم؟” الأمر الذي دفع المواطنين الهولنديين بالإحجام عن التبرع ورد الجميل لمن وقف بجانبهم بالأمس.

وتقول صحيفة دو فولكس كرانت إن حجم الفيضانات والمعاناة التي سببتها الفيضانات لم تنفذ في الواقع إلى وجدان الهولنديين. يقول أخصائي مالى للجريدة: “الشعب الهولندي حذر من كل المناشدات والحملات الدعائية لجمع الأموال لضحايا الكوارث”. أما صحيفة دو بيرس فتقول “تعاطفنا الشديد وليس أكثر”.

ولم يختلف الوضع كثيرا في ألمانيا حيث استخدمت القناتان الرسميتان للدولة وقنوات خاصة أخرى موضوع الخوف من ذهاب التبرعات إلى حركة طالبان كمبرر للإعلان عن عدم رغبتها في إقامة حفلات خيرية لجمع التبرعات لضحايا فيضان باكستان.

الأمر الذي أحرج الأمم المتحدة التي عجزت في ندائها الأول عن جمع أكثر من 20% فقط من التبرعات المطلوب توفيرها من العالم، فقامت يتوجيه نداء جديدا لجمع 460 مليون دولار لتقديم مساعدات طارئة لباكستان التي تواجه “احدى أسوأ الكوارث التي تصيب بلدا في السنوات الأخيرة” كما وصفها جون هولمز، مسؤول الشؤون الانسانية في المنظمة الدولية، فضلا عن الخسائر الجسيمة في المساكنهم والمزارعهم بما يفوق عدد المتضررين من التسونامي وزلزال هاييتي مجتمعين.

وعلى الرغم من تأخر ردة الفعل الإسلامية الرسمية تجاه هذه الأزمة الإنسانية المؤلمة وخاصة في شهر رمضان، أدركت الشعوب التي قال عنهم رسولهم صلى الله عليه وسلم أن الخير فيهم إلى يوم الدين، بأنهم على موعد لإعادة تثبت نفس المبدأ الإنساني الذي لا يتغير بفقر تلك الشعوب وفساد حكوماتهم.

فتحركت الضمائر في الشهر الكريم بما تقدر عليه في أسقاع العالم الإسلامي من خليجه الثري انتهاء بأفقر دوله الأفريقية على الرغم من الرقابة الغربية الصارمة والظالمة على تبرعاتهم. الكل أحس بمسؤوليته تجاه إخوانهم المحاصرين بمياه الأمراض والأوبئة. وقد ارتفعت بالفعل حصيلة التبرعات إلى 50% من مستهدفها. الأمر الذي جعل حكومات الغرب يتسابقون من جديد على إعلان الدعم لباكستان تخوفا من تكشف حقيقتهم الأخلاقية للعالم الإسلامي وتحرجا من تتابع سقوط أوراق التوت عن عوراتهم الأخلاقية الدميمة.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.