ترتبط الثقافة والصحة دومًا ببعضهما فى أى مجتمع، لا سيما فى المجتمعات النامية التى عرفت تاريخًا طويلاً من التقلبات الاجتماعية والاقتصادية مثل مصر. يقدم كتاب «الصحة والهوية في مصر»، الذي حررته هانيا شلقامي وفرحة غنام، طرحًا قويًّا يرى أن التجارب والأحوال الجسدية تُعد محورًا لفهم العمليات الاجتماعية في البلاد.
يعتمد المؤلفون على بحوث إثنوغرافية حديثة لاستكشاف المعتقدات والممارسات المرتبطة بالعقم، والجمال، والصحة الجسدية والروحية، بينما ينخرطون فى نقاش أوسع حول الهوية المصرية فى السياقات الحضرية والريفية على حد سواء.
يشكل كل فصل من فصول الكتاب دراسة تتجاوز الفهم التقليدي لمفهومى «الصحة» و«المرض» باعتبارهما تجارب جسدية بحتة، إذ يُعاد تأطيرهما بوصفهما ظواهر ذات أبعاد اجتماعية وسياسية ذات دلالة.
فى فصل بعنوان «خطاب المقاومة: التلبس بالأرواح لدى النساء فى أحياء القاهرة منخفضة الدخل»، تكتب هبة الخولي، وهي خبيرة فى التنمية وأنثروبولوجية اجتماعية لها خبرة تمتد لعقدين فى مجال التنمية الاجتماعية بمصر والعالم العربى.
ترى الخولي أن تلبس الأرواح لدى النساء محدودى الدخل يمكن فهمه على أفضل وجه من خلال أشكاله التعبيرية، كالمراسم والنوبات والطقوس والسرديات، التى تكشف عن رؤى خفية للعالم. وتتركز تحليلاتها حول محورين أساسيين: العلاقات الجنسية والدين.
وتوسع الخولي نطاق الموضوع ليشمل المشهد الوطني، بالإشارة إلى أفلام مصرية تجارية مثل فيلم «البيضة والحجر» (1990) للمخرج على عبد الخالق، والذى يصوّر التلبس وطقوسه كرموز لانحلال أخلاقى وواجهات لأنشطة غير قانونية كالدعارة وتعاطى المخدرات، وهى تصورات أنكرتها جميع النساء اللاتى حاورتهن الخولي بشدة، بحسب قولها.
فى فصل آخر بعنوان «البحث عن الجمال: العولمة والهوية وصناعة الأجساد المؤنثة فى القاهرة منخفضة الدخل»، تكتب فرحة غنام، الأستاذة المساعدة فى الأنثروبولوجيا بكلية سوارثمور فى ولاية بنسلفانيا الأمريكية.
تشير غنام إلى أن قضايا الجسد تزداد بروزًا فى مصر والشرق الأوسط. إذ أصبحت عمليات زراعة الأعضاء، والاستنساخ، والإجهاض، والختان، ومؤخرًا فقدان الوزن، محاور نقاش أساسى فى وسائل الإعلام والمساجد والمدارس.
وترى غنام أن تصوّر المرأة المصرية لجسدها يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتدفق المعلومات التى تثير رغبات متعددة، إلى جانب سوق متنامية من منتجات التجميل التى تعد بتحقيق تلك الرغبات.
فعلى مستوى ما، لا يزال الجسد الأنثوى خاضعًا لسيطرة الأسرة والمجتمع المحيط، لا سيما فى قضايا الجنس والإنجاب. غير أن غنام ترى من خلال مقابلاتها مع شابات مصريات أن التعليم وإمكانية الوصول إلى المعلومات يخلقان فضاءات بديلة تتيح للمرأة تشكيل جسدها بمعزل عن إرادة الأسرة.
فى فصل آخر بعنوان «فى ناس وفى ناس: الطبقة والثقافة وممارسات المرض فى مصر»، يكتب منتصر كمال، الطبيب والأنثروبولوجى، وأحد مؤسسى المنتدى العربى للعلوم الاجتماعية والطب.
يستند كمال إلى دراسات أنثروبولوجية ومشاهدات ميدانية ليستكشف أهمية الانتماء الجماعى، وهو موضوع كثيرًا ما يعاد إنتاجه من خلال الطريقة التى يصف بها «أهل البلد» أنفسهم. ويتساءل عن مدى كفاية هذا التصور المحدود لتمثيل – أو حتى اقتراب – من تعقيدات الانتماء فى الثقافة المصرية المعاصرة، كما يتساءل عما يخفيه هذا التصور.
يتناول كمال هذه التساؤلات من خلال عنوان الفصل «فى ناس وفى ناس»، وهو مثل شعبى مصرى يُترجم إلى «فيه ناس وفيه ناس غيرهم»، ويُستخدم فى سياقات تشير إلى التفاوت والتمييز.
ويفسر كمال المثل باعتباره انعكاسًا لعدم المساواة، حيث يختلف الناس بحسب المكانة الاجتماعية والوضع الاقتصادى أو الطبقة.
أما الفصل المعنون «مشاهرة: عدالة وظلم العقم»، فتكتبه هانيا شلقامي، الأستاذة المساعدة بكل من مركز البحوث الاجتماعية وبرنامج دراسات الهجرة القسرية واللاجئين بالجامعة الأمريكية بالقاهرة.
تتناول شلقامي قضايا الخصوبة والعقم لدى النساء فى صعيد مصر. وتتساءل عن كيفية تحمل النساء، بل واستمرارهن فى تحمل، الضغوط الهائلة المفروضة عليهن ليصبحن أمهات، وينجبن أبناء أصحاء – وذكورًا على وجه الخصوص.
وتتناول فى فصلها الخطاب الجندرى حول الخصوبة والعقم، لا سيما من خلال الاعتقاد بـ«المشاهرة»، أى تعويذة العقم. وترى شلقامي أن هذا المفهوم يتيح فهمًا أعمق لتجارب الحياة اليومية لدى النساء والرجال فى تلك المجتمعات.
يشكّل الكتاب بمجمله إسهامًا ثمينًا فى فهم تعقيدات الهوية المصرية، التى لا تزال غير مُعرّفة فى ظل الطيف الواسع من القضايا متعددة الأبعاد التى تؤثر على المجتمعات الريفية والحضرية. وبينما يقدم النص مجموعة من الدراسات المستندة إلى بحث دقيق، فإنه يشكّل فى النهاية محاولة جادة للتعمق فى تقاطعات الصحة ووصماتها الثقافية.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.