في مؤتمر صحفي عُقد عقب اجتماع مع الأعضاء الجدد المنتخبين باتحاد الصناعات المصرية، والذين بدأوا ولايتهم الجديدة في أوائل سبتمبر، صرّح رشيد محمد رشيد، وزير التجارة والصناعة، قائلًا: «مصر ستحتاج إلى 18 مليون طن إضافية من الأسمنت بحلول عام 2015. والوزارة، بالتعاون مع المجلس الأعلى للطاقة، تدرس هذا الملف تفصيلًا، وسيُعلَن عن النتائج قبل نهاية العام».

وأشار رشيد أيضًا إلى إمكانية استيراد الطاقة لدعم الأنشطة الصناعية، مؤكدًا أن دولًا كبرى مثل الولايات المتحدة واليابان تلجأ إلى ممارسات مماثلة لدعم توسعها الصناعي.

كانت الهيئة العامة للتنمية الصناعية قد أعلنت، في نهاية أغسطس، عن الجدول الزمني لطرح 12 رخصة جديدة لإنتاج الأسمنت، وذلك بعد يومين من موافقة المجلس الأعلى للطاقة على هذا القرار.

لكن هذا القرار جاء بعد شهور من الخلاف بين وزارة البترول ووزارة التجارة والصناعة. إذ كانت وزارة البترول قد اقترحت استيراد الأسمنت من الخارج بدلًا من إنشاء مصانع جديدة، معتبرة أن ذلك سيكون أكثر جدوى اقتصادية ويوفّر كميات كبيرة من الغاز الطبيعي.

غير أن وزارة التجارة رفضت هذا المقترح واعتبرته «غير منطقي»، متسائلة عن مدى واقعية استيراد 17 مليون طن إضافية من الأسمنت – وهي الفجوة المتوقعة بين العرض والطلب بحلول عام 2017 – الأمر الذي من شأنه التأثير سلبًا على الميزان التجاري لمصر.

ويبدو الآن أن الوزارتين قد توصلتا إلى اتفاق يتماشى مع تفضيلات رجال الصناعة.

ويُذكر أن الطاقة الإنتاجية الحالية لمصانع الأسمنت في مصر تبلغ 60 مليون طن سنويًا، مع وجود خطط لرفعها إلى 77 مليون طن بحلول عام 2015.

أهداف توسعية طموحة

تهدف الحكومة من خلال هذه الخطوط الـ12 الجديدة لإنتاج الأسمنت إلى رفع إنتاج القطاع بنسبة 40٪. ومع ذلك، لا تزال التفاصيل المتعلقة بكيفية توفير الطاقة لهذه المصانع غير واضحة.

ومن اللافت أن قطاع التشييد والبناء في مصر واصل نموه رغم الاضطرابات المالية العالمية، في وقت شهدت فيه الأسواق العالمية ركودًا ملحوظًا. وقد أدّى هذا النمو إلى ارتفاع الطلب على الأسمنت بنسبة 25٪ خلال العام الماضي، مدفوعًا بزيادة عدد السكان واحتياجاتهم السكنية، إضافة إلى حزم التحفيز الحكومية.

وقال المتحدث باسم مجلس الوزراء، مجدي راضي، لوكالة رويترز: «الطلب يرتفع بنسبة 8٪ سنويًا. ومن المتوقع أن يصل إلى 77 مليون طن في 2015، لذا علينا أن نزيد الإنتاج».

في البداية، كان من المقرر إصدار ثماني رخص فقط هذا العام، لكن تأخُّر قرارات المجلس الأعلى للطاقة تسبب في تعطيل الجدول الزمني. ففي عام 2007، تم إصدار 15 رخصة؛ ثمانية من هذه المصانع تعمل حاليًا، ومن المقرر أن تبدأ خمسة أخرى الإنتاج العام المقبل، بينما أُعيد طرح رخصتين بعد فشل المستثمرين الأصليين في الوفاء بالجدول الزمني للتنفيذ.

ومع بدء تشغيل المصانع الخمسة الإضافية بحلول عام 2011، يُتوقّع أن تصل الطاقة الإنتاجية السنوية للأسمنت في مصر إلى 64 مليون طن. وتُقدَّر المدة اللازمة لإنشاء مصنع أسمنت جديد بثلاث سنوات تقريبًا.

وكانت أول شركتين أعربتا عن رغبتهما في المنافسة على الرخص الجديدة هما الفرع المصري لشركة «لافارج» الفرنسية، وشركة «أسمنت السويس» – أكبر شركة أسمنت مدرجة في مصر، والتي تمتلك أيضًا «أسمنت حلوان» و«أسمنت طرة». وتُعتبر «أسمنت السويس» فرعًا لمجموعة «إيتالشمنتي» الإيطالية.

تصاعد أزمة الطاقة

أوضح رشيد أن أصحاب الرخص الجديدة سيكون عليهم تأمين احتياجاتهم من الطاقة بأنفسهم، على عكس ما كان معمولًا به مع المصانع القديمة التي كانت تحصل على التزامات حكومية مباشرة. وسيتعيّن على المستثمرين الحصول على الطاقة من السوق المحلي إن وُجدت، أو من خلال الاستيراد إذا أمكن تحمّل تكلفته.

وقد تعهدت الحكومة بتسهيل الإجراءات القانونية والفنية اللازمة لاستيراد الطاقة، وذلك بالتعاون بين وزارتي البترول والكهرباء. وإذا نجح هذا النموذج، فقد يتم تعميمه لاحقًا على صناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

في الوقت الحالي، تحتكر الهيئة العامة للبترول وحدها سلطة استيراد منتجات الطاقة، ما يحول دون دخول القطاع الخاص إلى سوق الطاقة. ويعني هذا أن الشركات ستكون مضطرة للاعتماد على وزارة البترول لإدارة عمليات استيراد الغاز نيابة عنها، وهو أمر صعب بالنظر إلى تكرار تأخّر الوزارة في تلبية التزاماتها تجاه القطاع الصناعي.

وقال خبير البترول إبراهيم زهران: «هذا قرار غير منطقي». وأوضح أن أزمة إنتاج الكهرباء في مصر أزمة ممتدة. ومن وجهة نظره، يجب إعطاء الأولوية لتلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين من الطاقة.

وتوقّع زهران أن يصل الطلب المستقبلي على الكهرباء في مصر إلى 58 ألف ميجاوات بحلول عام 2026، مقارنة بالإنتاج الحالي البالغ 25 ألفًا فقط. وأضاف: «من غير المعقول إعطاء أولوية للغاز في القطاع الصناعي بينما نحن بحاجة إلى مضاعفة إنتاج الكهرباء ثلاث مرات».

أما استيراد الغاز، فليس بالأمر السهل. فالمملكة العربية السعودية، وهي منتج إقليمي رئيسي، تحظر تصدير الغاز الخام. أما الجزائر، فإن قيودًا جغرافية، إضافة إلى العلاقات المتوترة، تجعل من استيراد الغاز منها أمرًا صعبًا. كما أن التحديات الأمنية المتواصلة في العراق تجعل منه مصدرًا غير موثوق به.

وهناك خيار آخر لم يُناقَش كثيرًا، يتمثل في إنشاء محطة كهرباء مخصصة لمشروع الأسمنت. غير أن هذا الخيار سيكون معقدًا ويستغرق وقتًا طويلًا، بسبب نقص الخبرات وبيروقراطية الجهاز الإداري. وقد تؤدي هذه التأخيرات إلى تهديد الهدف الطموح المتمثل في الوصول إلى 77 مليون طن من الأسمنت سنويًا.

وقد يكون الحل الأكثر واقعية وإنصافًا هو إعادة النظر في عقود تصدير الغاز المصري إلى دول أخرى، والتي تُعد غير عادلة من حيث الأسعار. فتعديل هذه الاتفاقات بما يتماشى مع الأسعار العالمية قد يخدم المصالح الوطنية بشكل أكثر فعالية من محاولة تجاوز التعقيدات الحالية.

نُشرت نسخة أخرى من هذا المقال في صحيفة «البورصة» الإنجليزية.