يوصف مؤتمر بريتون وودز في بريطانيا عام 1944 بأنه نقطة التحول الاقتصادي بين عالمي ما قبل وما بعد الحرب العالمية الثانية. المؤتمر الذي ورثت فيه الولايات المتحدة التركة الاقتصادية العالمية من القوى الاستعمارية الأوروبية العجوز وتم ربط العملات بالدولار الأمريكي بدلا من الذهب. الأمر الذي جعل عالما اقتصاديا عظيما مثل جون مينارد كينز يغادر المؤتمر غاضبا اعتراضا على إلباس تلك المؤامرة ثوب الشرعية الدولية. وقد تم الاتفاق على إنشاء مؤسستين عالميتين هما: البنك الدولي وصندوق النقد، اللتان عرفتا لاحقا بمؤسسات بريتون وودز. ويذكر أن أول أيام عمل البنك الدولي كان 27 يناير 1946.

ويتكون البنك الدولي من خمس مؤسسات هي: البنك الدولي للإنشاء والتعمير، مؤسسة التنمية الدولية، مؤسسة التمويل الدولي، وكالة ضمان الاستثمار متعدد الأطراف، وأخيرا المركز الدولي لتسوية المنازعات الاستشارية. كلها تعمل جميعا تعمل كما “يهدف” البنك على إعادة الإعمار بعد الحروب وتخفيف حدة الفقر وما يسمى مؤخرا بالأهداف الإنمائية للألفية.

وخلال فترة الثمانينات، إتخذ البنك مسالك عديدة للعمل فيما يخص قضايا الاقتصاد الكلي وإعادة جدولة الديون. وفي وقت لاحق من نفس العقد، احتلت القضايا الاجتماعية والبيئية مكان الصدارة. في الوقت الذي تزايدت فيه حرية تعبير المجتمعات المدنية، اتهم البنك بأنه لا يتقيد بسياساته المعلنة في بعض المشاريع البارزة.

ولمواجهة القلق حول نوعية عمليات البنك، تم إصدار تقرير وبنهانز الذي اتخذت بعده خطوات تجاه الإصلاح تضمنت إنشاء لجنة تفتيش مستقلة لتقصي الإدعاءات ضد البنك. إلا أن الانتقادات تزايدت وبلغت ذروتها خلال الاجتماعات السنوية التي عقدت في مدريد بأسبانيا عام 1994 ، بعد أن أصبح البنك رمزا للغموض وإغراق الدول النامية في كوارث اقتصادية وسياسية وأحيانا عسكرية بسبب مخططاته كممثلا للدول الكبرى المانحة خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.

وكان لمصر نصيب من تلك “المؤامرات” كما يسميها مركز الأرض لحقوق الإنسان، أو ربما يسميها البعض الآخر إخفاقات على سبيل الدلع. ويشير المركز في تقريره بعنوان “سياسات البنك الدولي في مصر، تاريخ من المؤامرات، الزراعة نموذجا”، أن مصر كانت من أوائل الدول التي انضمت إلى البنك الدولي عام 1945 وفى عام 1999 حصلت مصر على قروض مستفيدة من نافذة إقراض البنك التي تخدم الدول منخفضة الدخل ألا وهى المؤسسة الدولية للتنمية، إلا أن مصر تعتبر حاليا من بين الدول متوسطة الدخل ولها القدرة على أن تقترض مبالغ ضخمة من البنك الدولي لإعادة الإعمار والتنمية ولكنها لم تعد مؤهلة للحصول على القروض بدون فائدة أو المنح من المؤسسة الدولية للتنمية.

ويتطرق التقرير إلى سياسات البنك الدولي المعلنة والخفية منذ ايام مفاوضات بناء السد العالي الذي حاربته الولايات المتحدة حتى عبثية توزيع الثروة المصرية من الغاز الطبيعي، مرورا بتحول البوصلة الاقتصادية في عهد السادات بعد حرب أكتوبر وتطور المسار الطويل من القروض بإغراءاتها وضغوطها وخصخصة السيادة الوطنية على الاقتصاد القومي وكذلك النتائج الكارثية لسياسة تحرير السوق الغير مدروسة وتأثيرها على محدودي الدخل وبسطاء هذا المجتمع. وتلك هي حصيلة أكثر من نصف قرن من التعاون مع أحد أدوات تسخير فقراء العالم لخدمة مصالح من يملك قوة العبث بمصائر الشعوب.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.