في سؤال قد وجهته لوزير الصناعة والتجارة رشيد محمد رشيد خلال لقائه مع المشاركين بمؤتمر اليورومني الأربعاء الماضي، فيما يخص المنطق الاقتصادي وراء توسع الحكومة في صناعة الأسمنت في ظل عدم كفاية الطاقة اللازمة لإنتاجه وارتفاع أسعار المحلي منه مقابل المستورد، إضافة إلى التوقع بزيادة تكلفة إنتاجه بناء على تحمل المصانع توفير تلك الطاقة، حيث تساءلت عما إذا كان من الأكثر منطقية أن تكتفي الحكومة باستيراده لسد فجوة الطلب المتوقعة بدلا من تحمل أعباء هذا التوسع.
وقد أجاب رشيد مستفيضا عن هذا السؤال مدافعا عن استراتيجية الحكومة التوسعية بهذا القطاع سعيا لسد فجوة الزيادة على طلب الأسمنت التي يتوقع ان تصل إلى ما يقدر بنحو 17.5 مليون طن فى 2015 من إجمالى الاحتياجات التى ستصل إلى 77.5 مليون طن حسب هيئة التنمية الصناعية. ويؤكد رشيد منطقية هذا القرار الحكومي مفاضلا بين اختيارين.
الأول هو استيراد الطاقة اللازمة لهذا التوسع على أنها أحد المدخلات الصناعية، الأمر الذي تفعله معظم الدول الصناعية. والثاني الذي استبعدته الحكومة وهو استيراد السمنت كمنتج نهائي. وقد برر رشيد الميل للاختيار الأول بناء على بعض المعطيات الاقتصادية التي تتمثل في أن استيراد الطاقة كأحد المدخلات الصناعية يعد أرخص وأكثر إفادة ليس لسد العجز المتوقع في الطلب فقط، ولكن أيضا في الاستفادة من المواد الخام الأخرى المتوفرة محليا.
ذلك إضافة إلى تواجد البنية الأساسية الضخمة لهذه الصناعة التي يجب الاستفادة منها، ناهيك عن استغلال الخبرة المصرية في هذا المجال التي تم اكتسابها مسبقا بما يعرف ب Know-How. الأمر الذي يؤدي بدوره إلى مزيد من النمو الاقتصادي وسد العجز محليا وكذلك رفع معدلات توفير فرص العمل بهذا القطاع الضخم.
ويشير رشيد موضحا أن الحكومة قد حددت بعض القطاعات التي تستخدم كميات ضخمة من الطاقة وتوقعت أنه بحلول عام 2015 سوف تعجز الطاقة المتاحة عن سد الطلب في قطاع الأسمنت. وتسائل “هل يجب أن نستورد الأسمنت أو الطاقة؟ فلما لا نستورد الطاقة مثلنا مثل باقي الدول في العالم؟ إذا كانت اكتشافات البترول والغاز لن تكفي لبناء المصانع، فليس من الحكمة أن نقرر عدم بناء.”
هذا وقد عزمت هيئة التنمية الصناعية مسبقا طرح عدد 12 رخصة أسمنت جديدة هذا العام، منها 8 كان مقررا طرحها فى النصف الأول من العام ولم يطرح أى منها، لتغطية الفجوة بين إنتاج واستهلاك الأسمنت. وتقدر احتياجات المصانع الجديدة من الطاقة بنحو 1.5 مليار متر مكعب من الغاز بالإضافة إلى 300 ميجاوات من الكهرباء، وفقا لدراسة أعدتها الهيئة، وتساءل المهتمون حينها عن جدوى تخصيص هذا الكم الهائل من الطاقة لتلك المشروعات فى الوقت الحالى، فى ظل الأزمة التى تواجهها السوق المحلية من انقطاعات كهربائية متواصلة نتيجة لضغوط الاستخدام.
ومن المعروف أن الأسمنت المستورد وخاصة التركي منه يصل سعره إلى حوالي 400 جنيه للطن (توصيل الميناء)، فيما يقدر سعر طن الأسمنت المحلي بحوالي 500 جنيه، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع نسبة الأسمنت المستورد من إجمالى الأسمنت المستهلك لتبلغ 3.3% خلال الخمسة أشهر الأولى من 2010، مقارنة ب 0.2% خلال نفس الفترة من من العام الماضي.
ويبقى التحدى الحكومي هنا في نجاحها في تعديل هذا الفارق في السعر والعمل على تخفيض كلفة الإنتاج وردع كل المتلاعبين المحليين بأسعار الأسمنت، إضافة إلى تحد أكبر وهو تخفيض الضرر البيئي الناتج عن تلك الصناعة قدر المستطاع، والذي يعد تكلفة اقتصادية أخرى (غير مباشرة) تتمثل في الإنفاق الصحي المترتب على الأمراض المصاحبة لتلك الصناعة سواء للعاملين فيها أو سكان المناطق المجاورة للمصانع.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.