لماذا يؤلمنا إحياء ذكرى مجزرة محمد محمود؟ سؤال بسيط ومشروع، لكنه مهم لفهم العنف الدموى الذى اندلع مجددًا فى الذكرى الأولى للاشتباكات، ووضع الأمور فى سياقها.
أعتقد أن ما يجعل تلك المجزرة مميزة ومختلفة عن غيرها من المجازر التى ارتُكبت منذ اليوم الأول للثورة (التى لا تزال مستمرة بالمناسبة)، هو ما يمكن تسميته «إحساس جماعى بالعار».
جميع المجازر التى ارتُكبت خلال الـ18 يومًا الأولى من الثورة كان مُخططًا لها أساسًا من قبل مبارك وعصابته. أما المجازر التى تلت سقوطه، فقد كانت من تخطيط بقايا نظامه، وبعض رجال الأعمال الفاسدين، وأجهزة الداخلية و/أو الجيش.
لكن محمد محمود يجمع كل هؤلاء، بالإضافة إلى الإسلاميين الموجودين حاليًا فى السلطة. من جهة كانت قوات الجيش والداخلية تطلق الرصاص الحى ونوعًا غامضًا من قنابل الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين فى شارع محمد محمود وميدان التحرير. ومن الجهة الأخرى، كان الإسلاميون المتعطشون للسلطة، والمشغولون بانتخابات البرلمان، يطلقون الأكاذيب عن المتظاهرين عبر الشاشات والمنابر.
لدينا الآن حكومة إسلامية يرأسها رئيس يكرر باستمرار: «حق الشهداء فى رقبتى»، أى أنه مسؤول عن تحقيق العدالة. لكنه قال ذلك كثيرًا لدرجة أنه بات من الأفضل له أن يتوقف عن الحديث عن رقبته، خصوصًا أنها حتى الآن لم تفِ بأى عدالة. بل فى الواقع، هذه الرقبة باتت مسؤولة الآن عن دماء أبرياء تُسفك فى شوارعنا، نتيجة لعنف نظامه ذاته.
مرت سنة على المجزرة، ولم تُجرِ أى محاكمات حقيقية. لم يصدر أى قرار من النيابة العامة باستدعاء كبار المسؤولين فى الجيش، أو من قيادات الحركات الإسلامية، أو إعلام نظام مبارك للتحقيق، رغم الشهادات التى لا تُحصى، وأرشيف يوتيوب المليء بتوثيق الجرائم.
الضابط الذى قنص عيون المتظاهرين لم يُدان حتى الآن فى قضية تبدو وكأنها تنهار، تمامًا كمعظم القضايا الأخرى التى يتورط فيها ضباط تم توثيق جرائمهم ضد مدنيين.
كذلك لم يُعرف حتى الآن من أعطى الأوامر بخرق الهدنة بين المتظاهرين وقوات الجيش والداخلية العام الماضى، بعد ساعة واحدة فقط من بدايتها، وهو ما باغت المحتجين. من كان يريد استمرار الاشتباكات فى ذلك الوقت؟
هناك ثلاث جهات رئيسية فى مصر ما بعد مبارك تخشى من إحياء هذه الذكرى تحديدًا: الإخوان، والداخلية، والجيش.
الإخوان (والسلفيون كذلك) قاموا بمحو جزء كبير من رسومات الغرافيتى فى شارع محمد محمود، فى «جمعة الشريعة» قبل أسبوعين، وكتبوا آيات قرآنية بدلاً منها؛ محاولة لمحو العار غير القابل للغسل، وهو دعمهم لتلك الجرائم منذ عام. يا لها من سذاجة!
أما الجيش، فبدأ مؤخرًا فى الظهور هنا وهناك، بعد فترة صمت طويلة، محاولًا لفت الأنظار بعيدًا عن أهمية الذكرى. الاعتداء على سكان جزيرة القرصاية، والاشتباك بين الشرطة والجيش فى التجمع، نالا اهتمامًا أكبر مما يستحقان.
فى الأصل، أرض القرصاية كانت قد عادت لأهلها بحكم قضائى عام 2010، وإعادة احتلالها من قبل الجيش ما هو إلا استعراض دموى رخيص. أما الاشتباك بين الداخلية والجيش، فيبدو أن الإعلام ضخّمه دون مبرر، بينما هو لا يعدو كونه مشاجرة بسيطة بين ضابط شرطة وضابط جيش فى دولة فاشلة إداريًا.
وهناك طرف آخر يستحق أن يُضاف إلى قائمة المذنبين، ولو أخلاقيًا على الأقل، وهو ما يُسمى بالقوى الثورية. فهم مذنبون بجريمة «التشرذم البائس». لقد فشلوا فشلًا ذريعًا فى توحيد كلمتهم خلف مطلب ثورى واحد، بما فى ذلك الضغط من أجل محاكمة المسؤولين عن مجزرة محمد محمود.
الاشتباكات التى اندلعت مجددًا فى الذكرى السنوية للمجزرة الموثقة ليست إلا رد فعل طبيعى لمن يشعر بالإحباط من غياب العدالة. إنها دائرة كبرى من العار الجماعى، ونحن جميعًا جزء منها.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.