فى رحلة مترو استغرقت 40 دقيقة من محطة المرج الجديدة إلى سعد زغلول، هروبًا من الزحام المرورى الناتج عن مظاهرات مؤيدة ومعارضة للرئيس محمد مرسى، تكشف النقاشات السياسية بين الركاب الكثير.

فى شبكة المترو القاهرية، والتى تكتظ كل عربة فيها بمئات المصريين العاديين، يجرى الناس نقاشات محتدمة باستمرار، تصل أحيانًا إلى حد المشاحنات اللفظية. ويبدو أن الاستفتاء الذى صاغه الإسلاميون قد أربك المواطن العادى، بالنظر إلى التعقيدات السياسية المحيطة بطريقة ظهوره المفاجئ قبل أسبوعين تقريبًا.

الجو العام خلال الرحلة كان مشبعًا بالإدانة للعنف الإسلامى ضد المتظاهرين المعارضين لمرسى ليلة الأربعاء الماضية أمام قصر الاتحادية، والذى أسفر عن مقتل سبعة وإصابة مئات من الجانبين. أعتقد أنها المرة الأولى منذ اندلاع الثورة التى يكوّن فيها المواطن العادى رأيًا واضحًا وحازمًا بشأن تطورات سياسية-ثورية تهز البلاد.

المثير للاهتمام أنه خلال هذه النقاشات الصاخبة، بدأ شاب صغير فى أواخر مراهقته يتصدى للدفاع عن الإسلاميين، ومرسى، والدستور، ولعب بورقة «الاستقرار» المكررة. بدا لى أنه من شباب الإخوان، المعروفين باسم «شباب الجماعة».

أزعم أنى أستطيع تمييزهم أحيانًا من مظهرهم، وأحيانًا أخرى من طريقتهم فى إطلاق الشعارات المحفوظة الواحدة تلو الأخرى أثناء النقاش. وكما أعلم، فذلك جزء من مهمتهم فى «توعية» الناس داخل المجال العام. ورغم أن أداءهم يبدو واضحًا ومكشوفًا، إلا أن لهم تأثيرًا، والناس تستجيب لهم أحيانًا بشكل إيجابى. فهم فى نهاية المطاف يعرفون كيف يخاطبون الناس بشكل أفضل من غيرهم.

فى خضم الإدانة الشعبية لعنف الإسلاميين فى تلك الليلة الحزينة، ينجح الشاب الإخوانى فى تحويل الحديث إلى موضوع الاستقرار، وهو ما يلقى قبولًا واضحًا من معظم الركاب. يتقدم شابان ثوريان الملامح لمعارضة أطروحاته، فى حين يظل بقية الركاب على الحياد، مع رفضهم للعنف.

بذكاء، يغير الشاب الإخوانى محور النقاش مرة أخرى، ويسأل: «لماذا لا ننتظر الاستفتاء ونترك الكلمة للصندوق؟». يتفق معظم الركاب مع هذا الطرح. وحتى الآن، يبدو المشهد صحيًا لبلد يولد سياسيًا من جديد.

يعترض الثوريان بحماسة على الاستفتاء، من منطلق فهمهما أنه مجرد محاولة لتكريس هيمنة الإخوان على مؤسسات الدولة ومستقبل الحياة السياسية فى مصر. فيرد الشاب الإخوانى بسرعة: «إنت مسلم؟». فيجيبان بنعم.

الإخوانى: «هو الشريعة عملت فيكوا إيه علشان تكرهوها كده؟». يسود صمت للحظات، بينما يحاولان صياغة الرد المناسب. ثم يشرحان أنهما ليسا ضد الشريعة، بل ضد غموض الإسلاميين فى تقديمها، واستغلالها لفرض نفوذهم.

يرد الشاب الإخوانى: «ليه ماتدوش الشريعة فرصة؟ هو الشريعة عملت فيكوا إيه؟ (ويكرر السؤال) إحنا نعرف أحسن من ربنا؟». فى تلك اللحظة، ينال تأييد الركاب. يخسر الشابان الثوريان النقاش، ويغادران العربة عند أول توقف للقطار.

هذا الحوار مثال واضح على تعقيد الساحة السياسية حاليًا. نحن أمة يبدو أنها ترفض الإسلام المتشدد، لكنها فى نفس الوقت تشعر بتعاطف شديد مع كل ما يرتبط بالدين – وبشكل فولكلورى – يجعل من السهل التأثير عليها. وهو حوار صعب دائمًا بالنسبة للثوار، خاصة خلال المواسم الانتخابية.

يبدو أن الإسلاميين والمواطن العادى تجاهلوا دروس استفتاء مارس 2011 الكارثى، حين استخدم الإسلاميون خطابًا دينيًا يدعو للتصويت بـ«نعم» إرضاءً لله، واعتبروا التصويت بـ«لا» ضد الإسلام. وابتلع الغالبية الطُعم. والنتيجة هى الفوضى الدستورية والسياسية التى نعيشها الآن، والتى عانى منها الإسلاميون أنفسهم طوال 13 شهرًا من حكم العسكر قبل تولى مرسى.

وفى محاولة للتفكير بعقلية الإسلاميين – مع تجاهل شغفهم بالسلطة – يراودنى دائمًا سؤال: لماذا يتجاهلون «دستور المدينة» سنة 622؟ أليس هو دستورًا إسلاميًا وضعه النبى محمد نفسه؟ وثيقة يعتبرها بعض المؤرخين أول دستور «مدنى» فى التاريخ، حيث أسست لأول دولة إسلامية ضامنة لحقوق وحريات أصحاب الديانات والأعراق المختلفة.

لماذا لا يعيد الإسلاميون قراءة هذه الوثيقة؟ ولماذا لا يستلهمون منها ما يتناسب مع عالمنا المعاصر؟ ربما يحتاجون إلى بعض الوقت لفعل ذلك، لكن لماذا تجاهل الفكرة أصلًا؟ هل كان النبى – صلى الله عليه وسلم – مخطئًا وقتها؟ لا أظن. وبالتأكيد الإسلاميون لا يجرؤون على قول ذلك.

فلماذا إذًا يُهمل هذا النموذج فى الجوهر؟ ولماذا يُدخلون الله فى لعبة سياسية خاسرة أو رابحة؟ كيف يجرؤ الإسلاميون على تسويق دستور فاشى فى القرن الحادى والعشرين، ويدّعون أنه إرادة الله؟ كيف يستغلون احترام المواطن العادى للإسلام بهذه الطريقة الرخيصة؟ وماذا لو صوّتت الأغلبية بـ«لا»؟ هل يعنى ذلك أن «الله خسر المعركة»؟

أعتقد أن دفع الناس للتصويت بـ«نعم» على دستور مشوّه، من خلال استدعاء الله، هو أكبر إثم فى حقه. إنه كفر سياسى، يرتكبه الإسلاميون.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.