منذ انطلاق حملة تمرد قبل حوالى شهرين، شاع استخدام مصطلح «الحرب الأهلية» بشكل كبير من قبل الإعلام التقليدى ومواقع التواصل الاجتماعى، والنخبة السياسية وشرائح مختلفة من المجتمع.

كنت أتساءل ما إذا كان ذلك مجرد رد فعل طبيعى مبالغ فيه من مجتمع له تاريخ فى رفض العنف الداخلى، حيث يُنظر إلى أى صدام بين جماعتين باعتباره «رعبًا اجتماعيًا». أم أن ترديد مصطلح الحرب الأهلية هو تكتيك مقصود لإثارة الذعر؟

قبل عدة أيام، دُعيت إلى لقاء إعلامى صغير لكنه رفيع المستوى، حضره صحفى بارز يشغل منصبًا قياديًا فى إحدى وسائل الإعلام الحكومية. كان حريصًا على دفع النقاش نحو ما قد يحدث فى 30 يونيو، وما إذا كان الناس سيتوجهون إلى القصر الرئاسى. ونجح فى جذب انتباه الجميع فى النهاية، لأنه كان من الواضح أنه يريد فرض وجهة نظر معينة على الحضور.

بدأ حديثه كما يفعل معظم أنصار الإخوان عادةً، قائلاً: «أولاً، يجب أن أوضح أننى لست من جماعة الإخوان المسلمين، لكنى أؤيد الحكومة الحالية رغم أننى لا أحبها. أنا مع الشرعية». وبعد إنهاء هذا المونولوج، غيّر نبرته فجأة قائلاً بحزم: «إذا اتجه الناس إلى القصر الرئاسى، فستكون هذه بداية حرب أهلية».

بالطبع جذب انتباه الجميع، واحتل احتمال اندلاع حرب أهلية فى مصر الجزء الأكبر من النقاش الذى تلا ذلك. «مهمة ناجحة» من وجهة نظر هذا الشخص المنتمى إلى الإعلام الرسمى – أو هكذا تخيّل.

فى الحقيقة، عند توسيع النظرة للنقاش ورصد استخدام مصطلح الحرب الأهلية ضمن المشهد الإعلامى العام، تظهر دلالات لافتة. فقد استُخدم المصطلح بشكل عابر منذ انتفاضة 25 يناير 2011 التى استمرت 18 يومًا، لكنه لم يُوظّف أبدًا بالشكل المناسب.

من خلال متابعتى، أزعم أن الاستخدام المكثّف لمصطلح «الحرب الأهلية» كأداة تخويف خلال الشهرين الماضيين منذ انطلاق حملة تمرد، بدأه كبار قيادات جماعة الإخوان المسلمين الذين بدؤوا فى إدخاله إلى الخطاب الشعبى.

وقد لعبت ما تُعرف بـ«اللجان الإلكترونية» التابعة للإخوان دورًا بارزًا فى نشر المصطلح على وسائل التواصل الاجتماعى، وكذلك فى أقسام التعليقات لمعظم المقالات الإلكترونية التى تتناول حملة تمرد. وهو تكتيك فعال ورثته الجماعة من الحزب الوطنى الديمقراطى فى عهد حسنى مبارك قبل انهياره.

وبسذاجة، وقع كثير من رموز الثورة والمعارضة فى الفخ، ورددوا الخطاب ذاته. فقد كتب باسل عادل، أحد قيادى حزب الدستور المعارض، تغريدة قال فيها: «30 يونيو هو يوم التظاهر ضد الإخوان، ولكن إن وقفت جماعات موجهة ضد المتظاهرين، فستتحمل مسؤولية إشعال حرب أهلية تقود البلد إلى نفق مظلم».

أما وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى، فقد استخدم المصطلح ذاته فى أبريل، حين امتدح الجيش المصرى لأنه «حمى مصر من حرب أهلية» – وهو تصريح لا يرتبط مباشرة بحجة هذا المقال، لكنه يستحق الذكر كمثال على استخدام المصطلح بشكل أعمى حتى خارج حدود مصر.

السلفيون، الذين لا تجمعهم الآن علاقات طيبة بالإخوان، تبنوا الخطاب نفسه كما فعلت المعارضة. وكان عليهم أن يختاروا ما بين الانضمام إلى موجة سحب الثقة من مرسى – الذى لا يفضلونه أصلًا – أو دعم المشروع الإسلامى للإخوان. وفى النهاية اختاروا الخيار الثانى، وأطلقوا هجومًا ناريًا وتهديديًا ضد المعارضة غير الإسلامية، متهمين إياها بالخيانة، ودعوا الناس إلى التظاهر ضد محتجى تمرد فى اليوم ذاته.

أفترض أن هذا الخطاب كان موجهًا فى البداية إلى «حزب الكنبة»، وهو مصطلح استخدم منذ بداية الثورة لوصف الشريحة الكبيرة من المجتمع التى تخشى التغيير وتدافع – من على الكنبة – عن الاستقرار، حتى وإن كان زائفًا. والمفاجئ أن هذه قد تكون المرة الأولى التى تعلن فيها هذه الفئة السلبية استعدادها لترك الأرائك والانضمام إلى المسيرات ضد مرسى. يبدو أن التطورات السياسية بعد مبارك لم تقنعهم بأن حكم الإسلاميين سيجلب الاستقرار، وهو ما كان يمثل قلقهم الرئيسى وقت الانتخابات.

هل يشعر «حزب الكنبة» أيضًا بالقلق من احتمال اندلاع حرب أهلية فى 30 يونيو؟

وفقًا لما ذكره نيكولاس وبيتر أونف فى كتابهما «الأمم، الأسواق، والحرب: التاريخ الحديث والحرب الأهلية الأمريكية»، فإن «الحرب الأهلية هى حرب بين جماعات منظمة داخل نفس الدولة القومية أو الجمهورية، أو فى حالات أقل شيوعًا، بين بلدين نشآ من دولة موحدة سابقة».

إذا نظرنا إلى أمثلة مثل الحرب الأهلية الأمريكية، أو السودانية، أو الثورة السورية التى تحوّلت إلى حرب أهلية بسبب بطء استجابة المجتمع الدولى – نجد أن مصر لا تزال بعيدة جدًا عن مثل هذه النماذج.

من دون الدخول فى نقاش أكاديمى، لا توجد جماعتان منظمتان فى مصر. هناك جماعة واحدة فقط: الإخوان المسلمون، أو ربما الإسلاميون عمومًا من جهة – لكن لا توجد جهة مقابلة حقيقية. فقط الناس. وهؤلاء الناس عبارة عن جماهير لا تعرف نفسها كتنظيم سياسى منظم. لذلك تبدو فكرة الحرب الأهلية مستحيلة، بالنظر إلى العوامل السياسية والثقافية والاجتماعية. ومصطلح الحرب الأهلية يُستخدم كأداة لتخويف الناس من قبل الإخوان، ويُكرر – بسذاجة وبشكل غير مسؤول – من قبل آخرين.

لا أضمن أن يبقى يوم 30 يونيو سلميًا. فى الحقيقة، أعتقد أن وصف «السلمية المطلقة» الذى أُطلق على ثورة 25 يناير هو مجرد أسطورة. فقد شهدت الثورة أعمال عنف، وكان للعنف دور مهم فى إسقاط مبارك. لكنه كان رد فعل على عنف منظم من النظام، وتم الحفاظ عليه فى أدنى المستويات الممكنة.

ونظرًا لحدة الخطاب العام الراهن وتوتره، أعتقد أن احتمالات مرور يوم 30 يونيو بسلام أصبحت مهددة. وإذا حدث عنف، فسأحمّل المسؤولية للإخوان وأتباعهم المنظمين لكن غير المفكرين. ومع ذلك، وبمنطق الواقع، حتى لو وقعت اشتباكات، فلن تتحول إلى حرب أهلية، ببساطة لأن البلاد تفتقر إلى مقومات اندلاعها.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.