خلال اجتماع كارثى فى القصر الجمهورى يوم الإثنين، هدفه التعامل مع تهديد مشروع إثيوبيا ببناء سد ضخم على أحد روافد النيل الرئيسية – النيل الأزرق – خرج بعض من «كبار السياسيين» فى مصر بعدد من «الحلول» الهستيرية، كافية لبدء حرب قد تفشل بسهولة قبل حتى أن تندلع.
قال يونس مخيون، زعيم حزب النور السلفى، خلال الاجتماع: «إثيوبيا هشة بسبب الحركات المتمردة داخل البلاد… يمكننا التواصل مع هذه الحركات واستخدامها كورقة ضغط ضد الحكومة الإثيوبية». ثم اختتم قائلًا: «إذا فشل كل ذلك، فلا خيار أمام مصر سوى اللجوء إلى الورقة الأخيرة، وهى استخدام المخابرات لتدمير السد».
أيمن نور، الذى خاض الانتخابات الرئاسية ضد مبارك عام 2005، اقترح «نشر شائعات» عن قيام مصر بتزويد طائراتها بالوقود، لإعطاء انطباع بأنها تخطط لضربة جوية لتدمير السد، وأضاف: «قد يؤدى ذلك إلى نتائج على المسار الدبلوماسى».
أما أبو العلا ماضى، رئيس حزب الوسط الإسلامى، فاقترح أن تُستخدم الشائعات عن خطط لتدمير السد لإخافة الإثيوبيين ودفعهم للتعاون مع مصر أثناء بناء السد.
هذه ليست اقتباسات من فيلم إثارة أمريكى بميزانية منخفضة. بل هى تصريحات حقيقية قيلت فى اجتماع رئاسى فعلى. والسؤال: كيف عرفنا عن هذه الخيالات من نوع «حرب النجوم» المفترض أنها سرية؟ ببساطة، لأن الاجتماع بُث على الهواء مباشرة «عن طريق الخطأ». خطأ لم يستمر للحظة فقط، بل كان جلسة كاملة مدتها ساعتان و22 دقيقة من الهراء غير المعقول.
لمن لا يعرف تفاصيل الأزمة الأخيرة فى مصر، فإن إثيوبيا بدأت الأسبوع الماضى بتحويل مجرى النيل الأزرق تمهيدًا لمشروعها الكهرومائى المعروف باسم «سد النهضة الإثيوبى الكبير». وتفترض معظم النقاشات فى الإعلام المحلى أن هذا السد سيؤثر بشدة على دول المصب، مصر والسودان، اللتين تعتمدان بشكل كبير على مياه أطول أنهار العالم.
كان من العبث أن يستمر هذا الخطأ الفادح ببث الاجتماع على شاشات التلفزيون طوال هذه المدة، مما أصاب المصريين والإثيوبيين والإعلام الدولى بالذهول؛ مشهد ثقيل من كوميديا سوداء عبثية يلخّص بإيجاز كيف تُدار البلاد حاليًا.
رئيس لا تتعدى قدراته القصوى إمامة صلاة الجمعة، يستشير مجموعة من السياسيين يبدو أنهم مؤهلون لأدوار ثانوية فى مسلسلات تليفزيونية، فى مواجهة أزمة عاجلة شديدة الحساسية.
أتساءل كيف ستبرر باكينام الشرقاوى، مساعدة الرئيس للشؤون السياسية، هذا الخطأ القاتل، باعتبارها المسؤولة عن إدارة ما يسمى بـ«الحوار الوطنى». أعتقد أننا سنفتقد قريبًا تعليقاتها المسلية حول الشؤون السياسية الحالية فى مصر. أو ربما لا، بما أن مصالح جماعة الإخوان المسلمين تتصدر بكل وضوح على التحديات الوطنية الضاغطة.
من زاوية أخرى، فالكارثة تتجاوز هذا الخطأ الفنى غير المعقول. دعونا نفترض ببساطة أن الخطأ لم يقع، وأن الاجتماع لم يُبث، كما اعتقد المشاركون. يظهر هنا سؤال حزين: هل هذه هى أفضل الأفكار التى يمكن لعقولكم اللامعة أن تطرحها على طاولة إدارة الأزمات؟ الأمر مخيب للآمال تمامًا.
النقاش كشف فعليًا عن مستوى عالٍ من عدم الكفاءة، وذوق هابط جدًا فى الإدمان على أفلام الإثارة الرخيصة كمصدر وحيد للمعرفة السياسية. إنه أمر خطير فعلًا أن يُستمع لهؤلاء الأشخاص داخل القصر الرئاسى. مصر تمر بواحدة من أكثر فتراتها هشاشة فى التاريخ.
وللمفارقة، كان هناك صوت عقل وحكمة بين المشاركين. إنه مجدى حسين، زعيم حزب العمل الجديد، الذى حذّر من أن الحديث عن عمل عسكرى ضد إثيوبيا أمر بالغ الخطورة، ولن يحقق سوى تحويل الإثيوبيين إلى أعداء. واقترح اللجوء إلى الدبلوماسية الناعمة فى التعامل مع الأزمة، بما فى ذلك «تنظيم مهرجان سينمائى وإرسال بعثات بحثية وترجمة».
من الواضح أن الحكومة، و«المعارضة» التى شاركت فى الحوار الوطنى، والمعارضة التى كانت منشغلة بالتغريد على تويتر ولم تشارك، كلهم ليسوا إلا دليلًا إضافيًا على أن مصر غارقة فى فوضى مثيرة للشفقة.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.