قبل نحو عام، وفي مقال بعنوان «الإخوان والجنرالات، مرحلة من التعايش»، جادلت بأن القرار الدراماتيكي الذي اتخذه الرئيس المعزول محمد مرسي بـ«إقالة» المشير محمد حسين طنطاوي ونائبه الفريق سامي عنان، كان في الحقيقة انقلابًا عسكريًا داخليًا ناعمًا تم بمباركة جماعة الإخوان المسلمين. كنت أعتقد، وما زلت، أن ذلك كان بداية مرحلة من التعايش. كما ظننت أنها ستكون مؤقتة، نظرًا للطبيعة المتباينة للكيانين.

من الواضح أن ما شهدناه خلال الأسبوعين الماضيين يدل على أن مرحلة التعايش هذه قد انتهت، وأن الوقت قد حان للمواجهة بين الإخوان والجنرالات.

ولم تكن هذه المرة الأولى في التاريخ التي تدعم فيها الجماعة المؤسسة العسكرية. ففي عام 1952، قدّمت الجماعة دعمًا مدنيًا وغطاءً لحركة الضباط الأحرار في انقلابهم العسكري ضد الملك فاروق. وانتهت تلك المرحلة في عام 1954 بأحداث مشابهة لما شهدناه خلال الأسبوعين الماضيين. وفي المرتين، قام مواطنون غاضبون بإحراق مقر الجماعة.

جماعة الإخوان هي تنظيم يضع في قلب أيديولوجيته مفهوم الأمة الإسلامية فوق الدولة القطرية. فهم يفضلون هذه الرؤية الأوسع على حساب مصالح الدولة المصرية، حتى وإن تعارضت مع قيم المواطن المصري العادي. إنها جماعة دولية لديها حلم أكبر من مجرد حكم مصر. ومن الطبيعي ألا توافق المؤسسة العسكرية على ذلك.

في المقابل، تمثل المؤسسة العسكرية النقيض التام. فبالنسبة لها، تُعد حدود الدولة المصرية، المادية والمعنوية، خطوطًا حمراء. وما زال الإرث الناصري يهيمن على فكرها، حتى لو كان ذلك على مستوى العاطفة فقط بعد «التعاون» مع الولايات المتحدة عقب توقيع معاهدة كامب ديفيد عام 1978. ولم يتمكن أحد من انتزاع هذا الإرث منها، رغم المعونة العسكرية الأمريكية السنوية البالغة 1.7 مليار دولار.

ليس هناك حاجة للتوسع في الحديث عن الأداء الكارثي للجماعة خلال العام الماضي، فمئات المقالات قد بالغت في هذا الشأن بالفعل. ما أود التأكيد عليه هو أن الجماعة جعلت من الصعب الوثوق بها مجددًا في المستقبل القريب. لقد حاولوا تنفيذ عملية تغيير متعددة المستويات داخل الدولة، لكنها كانت أكثر تعقيدًا من قدرتهم على إدارتها، وكانت واضحة جدًا للناس على نحو جعلها مرفوضة. وقد دفعوا كثيرًا من الذين صوتوا لصالحهم إلى الانقلاب عليهم، بل وطلبوا من الجيش التدخل. وكان الجيش سعيدًا للغاية بالعودة كـ«المنقذ الوحيد للأمة».

فيما يتعلق بالمؤسسة العسكرية وخروجها المفترض من المشهد السياسي العام الماضي، عقب تعيين الفريق عبد الفتاح السيسي وزيرًا للدفاع باتفاق عام؛ يبدو أن الأمر تطلّب عملية شاملة لتغيير الصورة الذهنية.

لقد أعلنت المؤسسة العسكرية في أكثر من مناسبة خلال العام الماضي أنها لن تتدخل في السياسة. لكن كان من السذاجة تصديق هذا الكلام، بالنظر إلى الدور السياسي الذي لعبته طوال أكثر من 60 عامًا. فمثل هذا التحوّل لا يمكن أن يحدث بين ليلة وضحاها. ومع ذلك، كان من الذكاء سياسيًا أن يعلنوا ترددهم في التدخل لحل الفوضى السياسية التي خلّفتها الجماعة.

عملت المؤسسة العسكرية خلال العام الماضي على تلميع صورتها، التي شوهتها تصرفات المجلس الأعلى للقوات المسلحة بقيادة طنطاوي بعد سقوط مبارك. لكن هذا التغيير كان سطحيًا فقط؛ وسيستغرق الأمر وقتًا أطول بكثير لتحقيق تغيير حقيقي داخل المؤسسة العسكرية.

فيما يخص مستقبل جماعة الإخوان، ومع كثرة الفرص التي أُتيحت لها للمصالحة مع الجماهير، والمعارضة، والمؤسسة العسكرية، أعتقد أن الإسلام السياسي سيواجه الآن عطلة قسرية طويلة، قد تستمر لعقد من الزمان على الأقل، إن لم تكن أطول. ومع ذلك، لا يعني هذا أن السلام سيعم.

بل على العكس، أتوقع أن نشهد أعمال عنف متفرقة تقوم بها جماعات إسلامية متشددة لا مركزية، وشباب غاضب من الإسلاميين تم استغلالهم من قِبل قادتهم باعتبارهم ضحايا لعمل مناهض للديمقراطية ضد «الشرعية». هذا السرد سيظل يُستخدم لتحفيز الحشد ضد المؤسسة العسكرية.

وعلى أرض الواقع، فإن الجماعة باتت خارج المشهد السياسي، لكن قادتها لا يستطيعون التراجع عن مشاعر الغضب والاضطهاد التي زرعوها في عقول أنصارهم. وهذا هو الجزء الأخطر في اللعبة السياسية في مصر اليوم.

من زاوية أخرى، أرسلت المؤسسة العسكرية حتى الآن عدة إشارات تدل على أنها تختلف عن تلك التي عرفناها في عام 2011 والنصف الأول من 2012. كان ردهم على رفض الجماهير لحكم الجماعة ومحاولة «أخونة» مؤسسات الدولة ذكيًا جدًا. ومن الواضح أنه تم التخطيط له بعناية قبل أسابيع – إن لم يكن أطول – من انطلاق حملة تمرد التي أطلقها الشباب.

المشهد السياسي اليوم يُظهر نكهة من المدرسة العسكرية الناصرية القديمة، ولكن مع بعض التكيف مع الظروف الراهنة (إذ إن بعض الأمور التي كانت ممكنة في خمسينيات القرن الماضي لم تعد كذلك الآن). وينبغي ألّا نستهين بالتغير في تكتيكات المؤسسة العسكرية، ولا بالشخصيات العامة والمثقفين الذين ربما استشارتهم لصياغة هذا الرد المدروس. ونأمل أن تكشف الأيام المقبلة تفاصيل هذا الأمر، والدور الذي لعبه المفكر الناصري المخضرم محمد حسنين هيكل في العملية برمتها.

لقد كان من اللافت رؤية المتحدث العسكري الشاب، العقيد أحمد علي، يرد على أسئلة الصحفيين خلال مؤتمر صحفي صعب بُث مباشرة على الهواء. بخلاف المجلس العسكري السابق، الذي كان يضع نفسه في مأزق كلما ظهر في الإعلام، بدا علي «مقنعًا» للأغلبية. استخدم لغة هادئة لكنها حاسمة، وظهر «دقيقًا» في ردوده، وقدّم نموذجًا لغويًا جديدًا تمامًا للتواصل العسكري مع المدنيين. وهذا كان أمرًا فشلت فيه المؤسسة العسكرية فشلًا ذريعًا قبل عام فقط.

رغم كل هذه التغيرات التي تم ذكرها آنفًا، بخصوص التراجع السياسي للجماعة والواجهة الجديدة الذكية للمؤسسة العسكرية، فإن مذبحة صباح الأحد بحق أنصار مرسي أمام مقر الحرس الجمهوري تتعارض كليًا مع الوجه الجديد الذي تريد المؤسسة العسكرية أن تُظهره للشعب المصري. فقد قُتل أكثر من 50 شخصًا وجُرح المئات. كان ذلك عملًا وحشيًا ودمويًا وفاقدًا للعقل. ومع خالص التعازي لأسر الجنديين القتيلين والمصابين خلال الهجوم، فإن هذا لم يكن الرد المناسب. ثمة حاجة فورية لتحقيق شفاف ومستقل.

هذا مجرد دليل إضافي على أن المؤسسة العسكرية لا يمكن أن تتغير بين عشية وضحاها. دعونا نرَ ما إذا كانت عملية انتقال جادة إلى حكم مدني خلال الأشهر الستة المقبلة ستثبت خطأنا. وحتى لو لم تقع مواجهة كبيرة بين الجماعة والجيش خلال هذه الفترة، فإن مرحلة التعايش قد انتهت دون شك.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت.