قد يعتبر البعض أن تبرئة مبارك، أو فشل بناء الدولة في ليبيا، أو الحرب الأهلية في سوريا، أو الحرب الطائفية في اليمن، أو الصمت الدولي والموافقة الضمنية على قمع المحتجين في البحرين، بمثابة إعلان لوفاة ما يُسمى بـ«الربيع العربي». وقد يقول آخرون: «يا لحظ تونس! الناجية الوحيدة من هذه المأساة الشكسبيرية!»

أولًا، إلى أي مدى يمكن أن نكون قاصري النظر لنطلق على ثورة اسم «ربيع»؟ وكأنها مجرد موسم تسوق. وربما هي كذلك بالنسبة لصناعة الإعلام وآلة تسليع الأخبار. ففي النهاية، في القرن الحادي والعشرين، أصبحت القصة الإخبارية مجرد سلعة مثل أي منتج آخر: كلما زادت إثارتها، زادت مبيعاتها. وفي عالم إنتاج الأخبار اليوم، أصبح العنف أحد تلك المنتجات المثيرة والجذابة التي جرى تطبيعها. وإذا كان الحال كذلك، فلماذا لا نطلق على الثورات العربية اسم «عيد الميلاد العربي»؟ لماذا لا نفعل ذلك، طالما أنها تُسلّينا كما لو كانت فيلم إثارة، وتُستخدم لاستنزاف بضعة ملايين إضافية إلى جيوب صناعة الإعلام العالمية؟

الثورة ليست نزهة ربيعية في الحديقة، وليست جلسة تسمير للبشرة على الشاطئ في الصيف. الثورة عملية طويلة ومعقدة من الهجوم والتراجع في معركة ممتدة، بين الجديد والقديم، بين الثوري والثورة المضادة، حتى تُرسَّخ قيم العدالة والحرية على المستوى المؤسسي. وهي عملية قد تستغرق سنوات، وربما عقدًا أو أكثر، ونحن لا نزال نتعلم عن الثورة الفرنسية الطويلة التي غيرت وجه أوروبا، وندرس ما نجح فيها وما أخفق عبر تطوراتها وتحولاتها الممتدة. الثورة لا يمكن تصنيفها كنجاح أو فشل بعد موسم واحد من مسلسل تلفزيوني، بينما نمضغ الفشار. لا يمكننا الحكم إلا بعد أن تنتهي المعركة تمامًا ويهدأ الغبار.

من الموثق جيدًا أنه عقب الثورات العربية، أطلق الاتحاد الأوروبي في ديسمبر 2011 برنامجًا باسم «استراتيجية عدم الانفصال» لحماية الوصول إلى الإنترنت باعتباره أداة لتعزيز الحرية السياسية. وعند الإعلان عن الاستراتيجية، قالت نائبة رئيس المفوضية الأوروبية آنذاك، والمسؤولة عن الأجندة الرقمية للاتحاد، نيلي كروس: «في 2011، ساعدت منصات مشاركة الفيديو في فضح انتهاكات الأنظمة. لقد جعلتنا أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على اتخاذ إجراءات… الأنظمة القمعية أدركت الآن قوة هذه الشبكات، وحاولت تعطيلها… لكنها فشلت. والاتحاد الأوروبي يعمل لضمان احترام الحقوق الرقمية كما هو الحال مع الحقوق الواقعية».

ومن المعروف أيضًا أن الاتحاد الأوروبي، خلال السنوات العشر الماضية، أطلق العديد من البرامج ورصد ميزانيات ضخمة لدعم حقوق الإنسان وحرية الإعلام. وهذه حقائق وإجراءات تعكس اهتمام أوروبا العام بتحقيق هذه القيم. ولكن دعونا نترك هذه العبارات الوردية العامة، ونركز على الواقع بطرح سؤال بالغ الأهمية: أين تقف أوروبا فعليًا مما يحدث في المنطقة العربية حتى وقت قريب من صعود تنظيم داعش وتصاعد الإسلاموفوبيا؟

للإجابة عن هذا السؤال، وبصفتي مراقبًا خارجيًا عاش في 11 دولة أوروبية، ودرس الثقافات الأوروبية من خلال لقاءات شملت مسؤولين حكوميين في الاتحاد الأوروبي وصولًا إلى المشردين غير المرئيين في شوارع أوروبا، اسمحوا لي أن أشارككم أربع مشاهد، اثنان منها نجاحات، واثنان إخفاقات، تليها بعض النتائج التي قد تساعد في فهم الموقف الفعلي لأوروبا من التغيرات الجارية في ذلك الجوار الجنوبي الذي كان يومًا مستعمراتها، والذي يُطلق عليه «العالم العربي».

المشهد الأول: في احتفال نظمته السفارة السويدية بالقاهرة عام 2011 لإطلاق موقع إلكتروني رسمي باللغة العربية عن بلادهم، أوضح السفير أن هذا الموقع جاء استجابة لزيادة بنسبة 40% في طلب المعلومات حول الأنظمة الأوروبية والسويدية من قِبل الشباب المصري. لاحقًا، أطلقت الحكومة السويدية أيضًا حسابًا على تويتر وصفحة على فيسبوك، وكلاهما باللغة العربية، للتواصل المباشر مع الشباب العربي، الذي نسي الماضي غير المريح، وقرر البحث عن إجابات حول كيفية إدارة الديمقراطية. يمكننا الآن القول بثقة إن السويد احتلت مكانة خاصة في قلوب الشباب العرب، مما يضمن لها مخزونًا كبيرًا من الاحترام والتقدير، يتجاوز المصالح قصيرة المدى التي تسعى إليها معظم الحكومات.

تعليق: القليل من المال واحترام تطلعات الشعوب يمكن أن يصنع المعجزات، في حين أن الكثير من المال قد يفشل في تحقيق ذلك.

المشهد الثاني: بعد الثورات العربية وسقوط بعض الأنظمة، لاحظ مسؤولون أذكياء في هولندا أن الأنظمة القديمة لم تسقط بالكامل بعد، وأن العديد من الأصوات الشابة الداعمة للديمقراطية تم إسكاتها بعنف. لذلك قررت الحكومة الهولندية إطلاق محطة إذاعية وموقع إلكتروني باللغة العربية باسم «هنا صوتك»، وهو أداة قيّمة وضرورية، رغم صغر حجمها، توفر صوتًا مرتفعًا للديمقراطية والحريات لمن كُمّمت أفواههم في أوطانهم. واليوم، أصبحت هذه المحطة وهذا الموقع مصدرًا موثوقًا للأخبار والتحليلات لجمهور معتبر في المنطقة.

تعليق: يمكن أن تكون قيم الديمقراطية رسالة سهلة الانتشار، إذا قررت حكومة ما أن تلتزم بها باستمرار، بدلًا من الاكتفاء ببيانات إدانة ضعيفة لا تستحق حتى حبر طباعتها.

المشهد الثالث: في نوفمبر الماضي، قررت المملكة المتحدة قبول دعوة الحكومة البحرينية لبناء قاعدة عسكرية لها هناك، متجاهلة انتهاكات حقوق الإنسان والعنف المنتظم والاعتقالات غير القانونية التي تُمارَس ضد المحتجين والنشطاء الحقوقيين.

تعليق: آثار ما بعد الاستعمار، ولكن بلمسة من موضة الستينيات.

المشهد الرابع: في فترة القمع الدموي للمحتجين في مصر على يد الشرطة والجيش، والفترة التي جرى فيها إعداد دستور على عجل، والفترة التي قرر فيها المشير (الذي أصبح لاحقًا رئيسًا) الترشح للانتخابات رغم وعوده للعالم أجمع وللاتحاد الأوروبي بعدم القيام بذلك، اختارت كاثرين آشتون، عندما كانت لا تزال في منصبها، قضاء جزء من عطلة عيد الميلاد في مصر، متجاهلة المخاوف من أن يُنظر إلى ذلك محليًا باعتباره تأييدًا أوروبيًا لهذه الانتهاكات. وهذا بالضبط ما حدث، إذ استغل الإعلام المحلي الزيارة وفسّرها كما كان متوقعًا.

تعليق: لا توجد كلمات محترمة تكفي لوصف هذا التصرف غير المسؤول.

ختامًا، وبناءً على اجتماعات رسمية مع سياسيين أوروبيين وموظفين بيروقراطيين في الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى ملاحظات اجتماعية، توصلت إلى خمس نتائج:

أولًا، تدعم أوروبا، بشكل عام، والاتحاد الأوروبي، بشكل خاص، قيم الديمقراطية وحرية التعبير والقانون الدولي لحقوق الإنسان في العالم العربي، رغم الإخفاقات المتكررة.

ثانيًا، الإنفاق الأوروبي على دعم هذه القيم ضخم، لكن الإنفاق على ما يسمى «التنمية الاقتصادية» يصبّ بشكل غير مباشر في دعم الديكتاتوريات، تحت وهم «الاستقرار» الذي قد يوفر شركاء تجاريين لأوروبا.

ثالثًا، بعد اندلاع الثورات العربية، انتصرت القيم لأول مرة على المصالح في أوروبا، لكن عندما تبيّن أن الأمر ليس «ربيعًا» كما رُوّج له، تراجع معظم أعضاء الاتحاد الأوروبي سريعًا إلى سواحلهم التاريخية المعتادة: المصالح والخوف من «الآخر» المنزوع الإنسانية.

رابعًا، بعض الشركات الأوروبية تنخرط في صفقات قذرة مع الأنظمة الديكتاتورية، مما يجعل أي رسالة ديمقراطية ترسلها أوروبا تبدو كرسالة نفاق أكثر من كونها دعمًا حقيقيًا للديمقراطية.

خامسًا، رغم تصاعد الإسلاموفوبيا، لا تزال المجتمعات الأوروبية تؤمن نسبيًا بقيم الديمقراطية والحرية للجميع، لكن ممثليهم السياسيين لديهم سقف أدنى لهذه القيم عندما يتعلق الأمر بغير الأوروبيين.

وفي النهاية، لا تحتاج أوروبا إلى المزيد من البرامج أو التمويل لنشر الديمقراطية في العالم العربي، بل تحتاج أولًا إلى أن تكون متسقة مع نفسها قبل أن ترسل أي رسالة ديمقراطية.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.