قبل عامٍ تمامًا، حاولت أن أبتعد قليلًا عن نمط حياتي المرهق في إنتاج الأخبار وضغوط الحياة اليومية. توجّهت إلى جنوب إسبانيا بنيّة البقاء هناك لأسبوعين أو ربما أشهر، لأبتعد عن المدن الكبيرة المزدحمة بالسياسيين والجنون اليومي. لكن بعد أيام قليلة فقط، وصلني من صديقة سويدية عزيزة تعمل مثلي في الصحافة، رسالة تقول: «آسفة لإبلاغك بهذا الخبر الفظيع، صديقتك كميل لوباج قُتلت في جمهورية أفريقيا الوسطى. أعلم أنكما كنتما صديقين مقرّبين».
حدث ما كنت أخشاه! كان ذلك أول ما خطر ببالي. وجدت نفسي واقفًا على الشاطئ، وعدد من السيّاح الأيرلنديين ينظرون إليّ وأنا جالس. عدت للجلوس، وحاولت التحديق بهدوء في البحر مجددًا. لكن فكرة أنني لن أراها مرة أخرى بدأت تنخر في عقلي بقسوة، ومعها سؤال: كم عدد الصحفيين الذين قُتلوا وأعرفهم شخصيًا؟
لم أكن أعلم، ولم أحاول العدّ. فقط حاولت أن أتابع استجمامي على شاطئ إسبانيا، وأن أواصل «رحلة إعادة التأهيل» التي كنت أنويها للأسابيع القادمة. لكن في اليوم التالي، حجزت تذكرة طيران إلى أقرب مدينة مزدحمة أعرفها: بروكسل. لم أعد أتحمّل فكرة البحر مع ذكرى مقتل كميل.
بعد ذلك بقليل، تبادلت بعض الرسائل مع شخصين فقط: أحمد، صديقنا المقرّب المشترك، إذ كنّا الثلاثة نتقاسم شقة واحدة في القاهرة عام 2011، ومع والدتها مارييفون، التي لم أكن أعرفها من قبل ولم أتواصل معها سابقًا. كنت مترددًا جدًا في مراسلتها، فقد فقدت ابنتها للتو، ولم أكن أعرف ما يمكن قوله.
كان أحمد أكثر ارتباكًا مني، فهو لم يعايش تطوّر شغف كميل المهني عن قرب بعد أن سافر إلى الولايات المتحدة عام 2012. لكن والدتها كانت قوية بشكل لافت، كما لمست من رسائلها الإلكترونية. شعرت بصراع داخلي بداخلها. أظن أنها كانت تعلم، كما كنت أعلم أنا أيضًا، أن هذا المصير كان يقترب من كميل.
أتذكّر كميل عام 2011، كفتاة فرنسية صغيرة، متحمّسة بشدة لتصوير الصحافة، تمسك دومًا بكاميرتها الاحترافية الجديدة، وتلتقط صورًا لكل شيء، بما في ذلك نحن، زملاؤها في السكن. كانت شغوفة جدًا بالثورة المصرية، بالتغيير الذي تمر به البلاد، وبالناس وحياتهم اليومية.
حصلت على فرصة تدريب في صحيفة «إيجيبت إندبندنت» الأسبوعية، وهي أصلًا ما جاء بها إلى مصر. أتذكّر أن أول مهمة لها كانت عن الطعام التقليدي في شهر رمضان. لم تكن متحمّسة جدًا، وطلبت مني أن أرافقها. لم ألبِّ طلبها، فقد كنت مشغولًا، وأردتها أن تجد الشجاعة بداخلها لخوض التجربة وحدها وتتعلم منها. نصحتها بالتوجّه إلى سوق السيدة زينب، وهو حي فقير قريب من سكننا، حيث اعتاد الناس على وجود أجانب يلتقطون صورًا للمنطقة القديمة هناك. لم أرد أن تكون أول مهمة مهنية لها صعبة جدًا. عادت بعد ساعات قليلة وهي في قمة السعادة والحماس، بصور رائعة للطعام والحلويات الرمضانية، لكن الأهم بالنسبة لها، صور الناس.
وجدت كميل شيئًا في أحمد وفيّ جعلها تشعر براحة شديدة في القاهرة وفي شقتنا. لست متأكدًا تمامًا مما كان، لكنها كانت تقدّمنا لأصدقائها الجدد على أننا «إخوتها»، وأظن أن هذا كان صحيحًا بشكل أو بآخر. كانت دائمًا تتحدث إلينا عن كل ما يخطر في بالها، وكل ما أسعدها أو أزعجها في مصر، وكل التجارب الشخصية التي أحبّتها أو كرهتها. كنت أشعر فعلًا أن لدي أختًا صغيرة إضافية بجانب أختي الحقيقية.
وجدت كميل فرصة عمل في جوبا، عاصمة جنوب السودان، ولم تستغرق وقتًا طويلًا لتقرر قبولها. كانت في قمة السعادة عندما قررنا تنظيم حفلة وداع لها في الشقة ليلة سفرها إلى أعماق أفريقيا. ومن الطريف أنها لم تحضر حفلتها! عادت في وقت متأخر من الليل، سعيدة ومتحمّسة للغاية. كانت حاضرة في كل أحداث اقتحام السفارة الإسرائيلية في القاهرة في سبتمبر 2011، ووثّقت كل شيء. كنت هناك أيضًا، لكن في وقت أبكر، ولم أبقَ طويلًا مثلها، ولم أرها وسط عشرات الآلاف من الناس. لكن، كـ«صحفي محترف»، جمعت خيوط القصة في رأسي، وقلت لنفسي: هذا هو الحدث.
أما هي، فلم تكتفِ بالتقاط صور للاشتباكات من زاوية جديدة، بل وثّقت أيضًا مشاعر الناس وانفعالاتهم في تلك الصور. شعرت بفخر كبير تجاهها، لدرجة أنني عندما اتصلت بي قناة سكاي نيوز من لندن لإجراء مقابلة للتعليق على الحدث، قلت لا، لدي مرجع وشاهدة عيان أفضل: كميل لوباج. كان من الرائع رؤية ذلك الفخر وشعور الإنجاز يتلألأ في عينيها في صباح اليوم التالي، بعد أول تجربة لها مع الإعلام الدولي.
وبعد عام واحد، أصبحت أعمالها الاستثنائية القادمة من جنوب السودان منتشرة في أنحاء العالم. عانت كثيرًا في البداية، وتعرضت للخيانة والخداع من بعض أفراد الدائرة الغربية المقيمة هناك، والذين من المفترض أنهم موجودون للمساعدة في بناء الدولة الجديدة. قررت تركهم، لا ترك البلاد. عاشت في خيمة لفترة، ثم في كوخ خشبي بلا كهرباء ولا ماء ولا حمام. ولم يكن ذلك في الغابات، بل في مدينة جوبا، بالقرب من حياة الترف التي يعيشها «الخبراء التنمويون» الغربيون، الذين لم يفعلوا شيئًا سوى جعل الحياة أكثر صعوبة للسكان المحليين، بتحويل المدينة إلى واحدة من أغلى مدن أفريقيا. لم تهرب كميل من المعاناة، بل قررت، بشجاعة تفوق عمرها الصغير وتجربتها المحدودة آنذاك، أن تواجهها، وتتعايش معها، وتنحاز إلى السكان المحليين، الذين وقعت في حبهم في نهاية المطاف، كما يظهر بوضوح في صورها الدافئة والإنسانية.
طوال عامي 2012 و2013، كانت تمرّ على القاهرة في طريقها بين أفريقيا وأوروبا. زارتني مرة في مكتبي بصحيفة «ديلي نيوز إيجبت»، وتبادلنا أحدث أخبار حياتنا قدر ما استطعنا. ومع انتشار أعمالها في الإعلام الدولي، أدركت حجم المخاطر التي كانت تخوضها من أجل التقاط تلك الصور. قلت لها: «ربما حان الوقت للعودة؟ لدي وظيفة لكِ في الجريدة». ابتسمت ورفضت العرض بسرعة قائلة: «إذا رحل الجميع من هناك، من سيروي قصص هؤلاء الناس؟».
في عام 2013، زارتني في مدينة جنت البلجيكية، حيث كنت أقيم لعدة أشهر لغرض بحث أكاديمي، وكانت هي في طريقها إلى جنوب السودان ثم إلى وجهات أفريقية أخرى أرادت استكشافها وتوثيقها. في نهاية زيارتها القصيرة للمدينة الهادئة الصغيرة، تجرّأت على انتقاد أعمالها المنشورة في الإعلام الدولي.
قلت لها: «لقد تجاوزتِ كل الخطوط المهنية الحمراء، ستتسببين في مقتل نفسك»، كنت أحاول تخويفها قليلًا وإقناعها بسلوك طريق أقل خطرًا. ردّت قائلة: «أعلم، ربما أُقتل، ولا يخيفني ذلك»، وكان ردّها هذا مؤلمًا جدًا. أولًا، شعرت أنني لست نصف كفؤها كصحفي، تلك الفتاة الصغيرة التي بدأت مهنتها للتو. وثانيًا، وهو الأهم، شعرت بالخوف من ألا أراها مجددًا، تلك الأخت الصغيرة التي شاركتني السكن والحياة في القاهرة.
ابتسمت وكرّرت نفس السؤال الذي قالته في العام السابق: «إذا رحل الجميع من هناك، من سيروي قصص هؤلاء الناس؟». وكانت تلك آخر مرة رأيتها فيها.
مرّ عام على مغادرتها عالمنا، أو على اضطرارها لمغادرته. ذلك العالم الذي لم يكتفِ بعد بعدد الصحفيين الذين قُتلوا أثناء توثيق جنوننا الإنساني. رحلت، والمجزرة التي كانت توثّقها حين قُتلت لا تزال مستمرة حتى اليوم.
لسبب ما، لا أستطيع حتى الآن استيعاب موتها. ربما لأنني كنت أتوقّعه، وفي الوقت نفسه، لم أتمكّن من تقبّله. كانت بلا شك واحدة من أعظم الصحفيين الذين قابلتهم في حياتي كلها. صحفية لم تسمح للعدسة الإنسانية أن تسقط، بينما كنا نحن نسمح لها بذلك تحت وطأة ضغط إنتاج الأخبار اليومية.
بالطبع، أنا فخور جدًا بها وبالموقف الذي اتخذته من أجل من لم تُروَ قصصهم. لكنني كنت سأفضّل بدلًا من ذلك أن أحتسي القهوة معها في غرفة معيشتنا في القاهرة، وأستمع إلى حكاياتها الشخصية عن فتى أُعجبت به، أو قصة عن قصة شعر غريبة أرادت تجربتها.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.