تكشف المعركة المستمرة التى تخوضها مصر ضد العنف المسلح، خصوصًا فى شبه جزيرة سيناء، عن تداخل معقد بين الإهمال التاريخى، والسياسات الخاطئة، وتصاعد العنف. فصعود تنظيم «الدولة الإسلامية» فى سيناء ليس حدثًا معزولًا، بل نتيجة لعقود من التهميش، وعنف الدولة، والوعود التنموية غير المنجزة. تستعرض هذه المقالة الأسباب الجذرية والتطورات الأخيرة التى حولت سيناء إلى بؤرة للنشاط المسلح، وانتهت بمآسٍ مثل تفجير مسجد الروضة. ومن خلال تحليل السياق التاريخى وردود فعل الدولة، تسعى المقالة إلى توضيح كيف أن النهج الذى تتبعه مصر فى مكافحة الإرهاب قد يكون فى حد ذاته سببًا فى تفاقم المشكلة التى تحاول حلها.
خلال صلاة الجمعة يوم 24 نوفمبر 2017، شهدت مصر مذبحة قُتل فيها أكثر من 300 مدنى وأُصيب العشرات فى هجوم يبدو أنه كان مخططًا بعناية باستخدام القنابل والأسلحة النارية استهدف مسجد قرية الروضة فى منطقة بئر العبد قرب العريش، عاصمة شمال سيناء. هذا الهجوم ليس الأول من نوعه، لكنه الأكثر دموية فى تاريخ مصر الحديث من حيث عدد الضحايا. لم تعلن جماعة «الدولة الإسلامية» مسؤوليتها عن العملية بعد، لكن بصماتها واضحة: طبيعة الهدف، والموقع، وحجم الهجوم، كلها تشير إلى تورطها.
على عكس جماعات مثل «القاعدة» التى تركز بشكل أساسى على استهداف القوات العسكرية والشرطية، تشتهر «الدولة الإسلامية» عبر فرعها المحلى «ولاية سيناء» بشن هجمات عشوائية ضد المدنيين وقوات الدولة. ومع ذلك، يظهر أن الجماعة تستهدف المدنيين بشكل انتقائى، وتركز بشكل خاص على الأقباط والمتصوفة. ويُعد مسجد الروضة، الواقع فى أراضى قبيلة السواركة المؤيدة للجيش، مسجدًا صوفيًا، ما يجعله هدفًا ذا قيمة عالية بالنسبة للجماعة.
تُعد «ولاية سيناء» أقوى جماعة إسلامية مسلحة فى المحافظة، كما أنها الأفضل تدريبًا والأغنى على ما يبدو. فمنذ إعلانها الانضمام إلى «الدولة الإسلامية» الوليدة فى العراق وسوريا عام 2014، نفذت عمليات منظمة ضد أهداف عسكرية وشرطية ومدنية مصرية، وألحقت أذى بالغًا بالدولة المصرية وشعبها. بين عامى 2013 و2017، قُتل نحو ألف عنصر أمنى فى أكثر من 1700 هجوم عبر شبه جزيرة سيناء المضطربة، من بينهم أكثر من 200 قتلوا فى هذا العام وحده.
لم تكن الدولة المصرية ساكنة فى مواجهة هذا التصعيد، بل أعلنت حالة الطوارئ فى سيناء منذ أكتوبر 2014، وسنت عددًا من قوانين «مكافحة الإرهاب»، كما اعتمد الجيش، بالتعاون مع قوات الشرطة، ما اعتبره أفضل الاستراتيجيات لمحاربة الجماعة فى سيناء. إلا أنه حتى الآن، لا توجد مؤشرات على نجاح الجيش المصرى. والأسوأ أن مصر شهدت مؤخرًا أسوأ حصيلة من الضحايا المدنيين فى هجوم واحد فى تاريخها الحديث.
تفكير استراتيجى فى عنف سيناء
من المنظور الاستراتيجى، من المهم فهم كيف وقع هذا الهجوم والهجمات السابقة. لكن الأهم من ذلك، وربما لأول مرة، هو طرح السؤال العاجل: «لماذا؟». لوقف هذا النزيف، يجب أولًا فهم أسبابه. لماذا تتصاعد الهجمات المسلحة فى سيناء رغم العمليات العسكرية المكثفة التى بدأها الجيش المصرى منذ 2014؟ هل العنف ظاهرة حديثة فى شبه الجزيرة، أم أن له جذورًا أعمق؟
للإجابة على هذه الأسئلة المتشابكة، لا بد من العودة إلى عنصر قديم يشكل أساس العنف فى سيناء، بالإضافة إلى تصعيدين محددين مؤخرًا ساهما فى الوضع المعقد الحالى على الأرض.
يعود أصل العنف فى سيناء إلى العقدين اللذين تليا حرب أكتوبر 1973، وما تلاها من استرجاع مصر لسيناء تدريجيًا من إسرائيل. وفى ثمانينيات القرن العشرين، قدمت الدولة وعودًا بالاستثمار من أجل التنمية، لكنها لم تنفذ. وفى منتصف التسعينيات، ظهرت موجة جديدة من الوعود التنموية من القاهرة، تزامنت مع تحوّل سيناء إلى مركز للاستثمارات السياحية الضخمة. لكن أى من هذه التطورات لم يخدم السكان المهمشين فى سيناء. فمساحات شاسعة من الأراضى المملوكة تاريخيًا للبدو انتُزعت منهم بالقوة وأُعطيت لطبقة رجال الأعمال المقربة من مبارك. وأبرز تغيير «تنموى» يمكن توثيقه هو فتح نافذة أمام السكان المحليين لتقديم جولات بالجمال للسياح والظهور كـ«غرائب» فى صورهم.
يُحسب لبدو سيناء المهمشين أنهم رفضوا الأفكار المتطرفة والعنف الذى روج له المجاهدون العائدون من أفغانستان فى تسعينيات القرن العشرين. آنذاك، كانت موجة التطرف والعنف تضرب بقوة أنحاء مصر الأخرى، حيث نجح العائدون فى تجنيد مقاتلين من سكان وادى النيل. بينما بقيت سيناء آمنة من هذا الفوضى.
بدأ التصعيد الأول بعد تفجيرات طابا المؤسفة على ساحل البحر الأحمر فى عام 2004، حيث بدأ التطرف يتغلغل فى سيناء. ورغم أن العملية ثبت أنها من تدبير تنظيم «القاعدة» من الخارج، ردت أجهزة مبارك الأمنية باضطهاد وتعذيب وقتل أفراد من القبائل البدوية فى استعراض فوضوى للقوة المفرطة. وشكل ذلك نقطة انطلاق لنجاح العناصر المسلحة القادمة من وادى النيل والخارج فى إيجاد ملاذ آمن بمناطق وسط وشمال سيناء الفقيرة والمعقدة جغرافيًا.
نقلت أجهزة مبارك ثقافة الأمن وممارساته فى وادى النيل إلى البدو، وفرضت عليهم دكتاتورية المدينة فى عمق الصحراء، فعرفت المجتمعات المسالمة العنف والتعذيب والقتل باسم قانون الطوارئ و«مكافحة الإرهاب». كانت هذه عملية تجريد من الإنسانية، ولا أحد قادر على تحمل نتائجها، لا آنذاك ولا الآن.
القمع بعد الانقلاب وتصاعد العنف
بعد الثورة القصيرة التى أطاحت باستبداد مبارك عام 2011، أطاح الانقلاب العسكرى فى 2013 بالرئيس المنتمى للإخوان المسلمين محمد مرسى بدعم شعبى. ومنذ ذلك الحين، تعيش مصر فى ظل أكثر الأنظمة قمعًا فى تاريخها الحديث. إذ أصبحت من بين الدول الأكثر سجنًا للصحفيين والمعارضين السياسيين حول العالم. وفى انسجام مع هذا القمع الشديد وعنف الدولة، شهدت سيناء تصعيدًا ثانويًا أكبر بكثير من ذلك الذى تلا تفجيرات 2004.
يرتبط هذا التصعيد بالتغيرات على الأرض منذ عام 2014، عقب هجوم دامٍ وكلفى شنته «ولاية سيناء» أودى بحياة أكثر من 30 جنديًا. وتحت غطاء حالة الطوارئ التى أعيد فرضها، كثفت القوات المسلحة والشرطة عملياتهما العسكرية بشكل كبير، خصوصًا فى شمال سيناء، وسط تعتيم إعلامى كامل. وحتى اليوم، لا يمكن للإعلام تغطية ما يجرى فى هذه العمليات العسكرية، ولا يسمح له سوى بنقل بيانات الجيش. إلا أن هذا التعتيم، فى عصر وسائل التواصل الاجتماعى، ليس إلا حيلة رديئة من زمن ما قبل الإنترنت. فمقاطع الفيديو التى توثق عنف الجيش والشرطة ضد المدنيين العاديين فى سيناء انتشرت على نطاق واسع فى منصات مثل يوتيوب وغيرها. وسرعان ما أصبحت هذه المقاطع أدوات فعالة للدعاية والتجنيد لدى تنظيم «الدولة الإسلامية». ورغم أن منصات التواصل بدأت مؤخرًا حظر المحتوى العنيف، إلا أن الضرر كان قد وقع بالفعل. ومن خلال مجزرة الجمعة والهجمات السابقة، يتضح أن التنظيم يزداد قوة على الرغم من تصعيد العمليات العسكرية.
يجب ألا يُنظر إلى حرب الدولة ضد الجماعات المسلحة فى سيناء وأماكن أخرى من البلاد من منظور عسكرى فقط. فتنفيذ عمليات عسكرية بدون سيادة قانون أو احترام لحقوق الإنسان والسكان المحليين، ومع غياب الشفافية ومنع الإعلام، يوفر بيئة مثالية للتجنيد من قبل المسلحين.
بعد ساعات من المذبحة، أصدرت «اتحاد قبائل سيناء» بيانًا أعرب فيه عن تضامنه مع قبيلة السواركة التى وقع الهجوم على أراضيها. وقال البيان: «لا عزاء فى شهدائنا حتى نأخذ بثأرنا من هؤلاء التكفيريين، سنقتلكم بلا رحمة، ولا محاكم عندى ولا سجون». إن مشاركة السكان المحليين فى محاربة «ولاية سيناء» لا يجب أن تُترجم إلى انتقام خارج القانون كما ورد فى بيان هذا الاتحاد القبلى. فإذا استمرت الدولة المصرية فى التغاضى عن مثل هذه الفوضى فى عملياتها العسكرية، فقد يشعل ذلك حرب ميليشيات لن يخرج منها أحد منتصرًا. إن كرة الدم التى أطلقها مبارك ووسعها السيسى ستزداد حجمًا فقط.
خاتمة
حتى الآن، ساهمت الاستراتيجية المصرية لمكافحة الإرهاب فى سيناء فى تعميق الأزمات التى تسعى لحلها، مما أدى إلى استمرار حلقات القمع والعنف والتطرف. لقد ناقشت هذه المقالة كيف أدت عقود من الإهمال، إلى جانب ممارسات الدولة الوحشية والسياسات الإقصائية، إلى خلق بيئة خصبة للعنف المسلح. ويُعد تفجير مسجد الروضة رمزًا مأساويًا لنتائج هذه السياسات الخاطئة، حيث يكشف عن التقاطع الخطير بين فشل التنمية وعنف الدولة العشوائى.
رغم أن العمليات العسكرية لا تزال مركزية فى نهج الدولة، فإنها تظل قاصرة ما لم تُعالج الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار فى سيناء. فإقصاء السكان المحليين من عمليات صنع القرار، وانهيار الثقة بين الدولة والبدو، وغياب الشفافية فى الحكم، كل ذلك أدى إلى مزيد من العزلة المجتمعية، وأسهم دون قصد فى تقوية سردية المسلحين. ومع انتشار الأدلة المصورة للعنف عبر الإنترنت، زادت وتيرة التجنيد لصالح «الدولة الإسلامية» واتسعت الفجوة بين الدولة والمواطنين.
الحل المستدام يتطلب من مصر التخلى عن عقلية العسكرة، وتبنى سياسات قائمة على العدالة والتنمية والاندماج. فاستثمار البنية التحتية فى سيناء، وتمكين المجتمعات المهمشة، وضمان المساءلة فى العمليات الأمنية، كلها خطوات ضرورية نحو تحقيق سلام دائم. وإذا استمرت مصر على نهجها الحالى، فإنها تخاطر بتصاعد العنف، وتعزيز تمرد طويل الأمد قد يهدد المنطقة لأجيال مقبلة. إن مستقبل سيناء مرهون بتحول حاسم من القوة العمياء إلى العدالة، ومن القمع إلى المصالحة.
نُشرت هذه المقالة أولاً عن مركز «تايمب أوروبا» (TIMEP Europe).