بقلم آسيا صديقي
يُعد التعليم عاملًا حاسمًا في تحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي. وفي الشرق الأوسط، حيث ترتفع معدلات الفقر، يمكن أن يؤثر الوصول إلى التعليم بشكل كبير على الآفاق الاقتصادية للفرد. ووفقًا لماهر حمود، أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة لوفين في بلجيكا، «يميل الناس إلى أن يكونوا أكثر قابلية للتلاعب عندما يكون مستوى التعليم منخفضًا». ومع ذلك، فإن العلاقة بين التعليم والفقر لا تقتصر فقط على تمكين الأفراد، بل تؤثر أيضًا على الديناميكيات الاجتماعية والسياسية الأوسع نطاقًا.
يشير حمود إلى أن «خطة تنمية تعليمية جادة يجب أن تُطبّق لمدة جيل على الأقل» حتى تتحقق تغييرات مجتمعية ملموسة. ومع الأسف، تؤدي حالة عدم الاستقرار السياسي في العديد من دول الشرق الأوسط إلى تعطيل خطط التنمية طويلة الأجل، مما يفضي إلى تقدم غير منتظم. فعلى سبيل المثال، تسببت حرب الأيام الستة بين مصر وإسرائيل عام 1967 في تعطيل البرامج التعليمية في مصر بشكل حاد، وهو ما يُظهر كيف يمكن أن تؤدي الصراعات إلى تقويض الجهود المبذولة لتحسين التعليم، ومن ثم الاستقرار الاقتصادي.
البرامج التعليمية الحالية
تسعى عدة مبادرات في المنطقة إلى معالجة الفجوات القائمة. تُركّز «مبادرة البنك الدولي العربية» على تحسين جودة التعليم في الشرق الأوسط، من خلال تطوير المناهج، وتدريب المعلمين، ودمج التكنولوجيا في الفصول الدراسية، بما يساعد الطلاب على اكتساب المهارات اللازمة للمنافسة في اقتصاد عالمي.
وتُعد «أمديست» فاعلًا مهمًا آخر في المنطقة، حيث تقدم فرصًا تعليمية تُعزّز الفهم الثقافي المتبادل والتميّز الأكاديمي. ومن خلال التدريب المهني، وتعليم اللغة الإنجليزية، وتقديم المنح الدراسية، تساعد «أمديست» الطلاب من الخلفيات الفقيرة على الوصول إلى تعليم جيد وتحسين آفاقهم الاقتصادية. وقد استفاد من مبادرات المنظمة أكثر من 1,900 طالب ضمن برامج التبادل والمنح، إلى جانب تمكين 19,000 شاب وامرأة عبر برامج خاصة.
كما تلعب منظمة «أنقذوا الأطفال»، المعروفة بدورها في مناطق الأزمات، دورًا محوريًا في الشرق الأوسط، إذ تُدير برامج تُوفّر التعليم للشباب في مناطق النزاع، بما يضمن حصولهم على فرصة للتعلم حتى في أصعب الظروف. وتُعد هذه المبادرات ضرورية في المناطق التي عطّلت فيها الحروب والنزوح أنظمة التعليم التقليدية.
آفاق جديدة لسد فجوة عدم المساواة
رغم التقدم الذي أحرزته البرامج الحالية، إلا أن الطريق لا يزال طويلًا لضمان وصول جميع الشباب في الشرق الأوسط إلى تعليم جيد. وتُعد برامج التحويلات النقدية من الأساليب الواعدة، إذ تقدم حوافز مالية للعائلات من أجل إبقاء أطفالهم في المدارس. وتزيد هذه البرامج من دخل الأسر، وتُقلل الفقر، وتُحسّن الرفاهية العامة. وقد أثبتت نجاحها في مناطق أخرى، وقد تُسهم في الحد من العوائق الاقتصادية في الشرق الأوسط.
كذلك، تُعد استثمارات الحكومات والمنظمات غير الحكومية ضرورية. ويُبرز حمود أهمية الجهود المستمرة، مشيرًا إلى أن «الحكومات تميل إلى تجنّب الاستثمار الجاد في التعليم». ويستشهد بأمثلة مثل سنغافورة وماليزيا والكويت، حيث أدت الاستثمارات طويلة الأجل في التعليم إلى تحولات ملحوظة. ويمكن لالتزامات مماثلة في الشرق الأوسط أن تؤتي ثمارًا كبيرة، من خلال تعزيز مستوى التعليم والاستقرار الاقتصادي على المدى البعيد.
كما توفّر الحلول الرقمية مسارًا آخر لتوسيع فرص التعليم، من خلال المنصات التعليمية عبر الإنترنت، والمبادرات التعليمية عبر الهواتف المحمولة، والفصول الدراسية الافتراضية، التي يمكن أن تصل إلى الطلاب في المناطق النائية أو مناطق النزاع. وتُساعد هذه التقنيات أيضًا في توحيد مستوى التعليم في مختلف أنحاء المنطقة، بما يضمن وصول جميع الطلاب إلى موارد عالية الجودة. ورغم التحديات الجغرافية واللوجستية، توفر التكنولوجيا اليوم وسائل لسد فجوة عدم المساواة.
نظرة إلى المستقبل
يُعد الوصول إلى التعليم في الشرق الأوسط أمرًا محوريًا لتقليل معدلات الفقر. ورغم أن البرامج الحالية قدّمت إسهامات كبيرة، لا يزال هناك احتياج إلى حلول مبتكرة واستثمارات مستدامة. ومع ظهور إمكانيات جديدة مثل التحويلات النقدية، والاستثمارات، والحلول الرقمية، يمكن للمنطقة أن تمضي نحو مستقبل يُتاح فيه التعليم الجيد لكل طفل، بغض النظر عن خلفيته الاجتماعية أو الاقتصادية. وقد أشار حمود إلى أن «خطة تنمية تعليمية جادة يجب أن تُطبّق لمدة جيل على الأقل». ومع اعتماد الاستراتيجيات المناسبة، يمكن للشرق الأوسط أن يحرز تقدمًا حقيقيًا نحو التخفيف من حدة الفقر وتحقيق استقرار اقتصادي طويل الأجل.
هذا المقال نشر سابقا على موقع TheBorgenProject.org