تناقلت الفضائيات في الأسبوع الماضي تصريحات وزير المالية المصري يوسف بطرس غالي والتي أعلن فيها عن عجز الموازنة العامة وامتدح الاقتصاد المصري في تصديه للأزمة موضحا أنه من الطبيعي أن يتم تمويل هذا العجز عبر الاقتراض. وقد توقع غالي أن أموالا من الولايات المتحدة في طريقها للبنك الدولي والذي من المتوقع أن يساهم في سد هذه الفجوة إلى جانب الاقتراض الداخلي.
وتعاني كثير من الدول سواء النامية منها أو المتقدمة مؤخرا من استمرار العجز في الموازنات مما رفع درحة الجدل والاجتهادات حول طبيعتها ومدي تأثيرها على اقتصاديات تلك الدول تبعا لطبيعتها وهيكلياتها المالية. فمن مستويات العجز ما يعد مقبولا ومنها ما يصل تكراره إلى المرضية المزمنة. وقد نال عجز الموازنات اهتماما كبيرا في السنوات الأخيرة من قبل الاقتصاديين حيث اصبح مؤشرا هاما في حد ذاته لتقييم اللأداء المالي للدول وخاصة صاحبة التاريخ الطويل مع العجوزات ومنها مصر.
ويتضح هنا في مصر أن أسباب العجز المزمن في الموازنة العامة للدولة ينجم عن مجموعة مركبة من العوامل والمسببات تتلخص في عدم التوفيق بين نفقات الدولة ووارداتها العامة. وغالبا ما يأتي تمويل ذلك العجز من خلال التمويل المصرفي كالبنك المركزي، وغير المصرفي متمثلا في أذون الخزانة وحصيلة الخصخصة وغيرها من الموارد المالية إضافة إلى اقتراض الحكومة من الخارج وغالبا ما يتم عن طريق البنك الدولي. غير أن التحدي الأعظم في الحالة المصرية هو استمرار ارتفاع الأسعار وارتفاع الدين الداخلي فيما يسمى بعملية التمويل التضخمي لعجز الموازنة العامة.
ويرى عبدالله عبد اللطيف – الباحث بوزارة المالية – في أحد أبحاثه المتخصصة فى عجز الموازنة المصرية أن التمويل الداخلي لها من خلال إصدار أذون الخزانة والسندات الحكومية يعد أمرا مقبولا في حال توفر عدة شروط. أولا: وجود سوق نشطة للأوراق المالية، ثانيا: حجم الثقة من جانب المستثمرين في هذه الأدوات، ثالثا: أن يكون سعر الفائدة على هذه الأدوات أعلى من معدل التضخم السائد. وهنا يبدو أن هذا الحل مازال مقبولا على الصعيد المصري وخاصة أن معدلات التضخم تشهد هبوطا مؤخرا كتطور إيجابي على هامش الأزمة الاقتصادية.
أما دو نجوك الخبير في شئون الاقتصاد الآسيوي بمعهد كانساي للأبحاث الاجتماعية والاقتصادية بفيتنام فيرى أن معظم الدول النامية الآسيوية قد استفادت من العجز في موازناتها العامة المستمرة في الدفع ببرامج تنموية موجهة للاستثمار في البنية التحتية لهذه الدول مما ساعد على نموها كنتيجة لكفاءتها في إدارة الدين وزيادة الإنفاق الحكومي لرفع الطلب العام كما تنص نظريات المدرسة الكنزية الراسمالية. وهنا يشترط أن تبقي الحكومة على أقل قدر ممكن من العجز فى الموازنة في مقابل معدل نمو الناتج الإجمالي المحلى تماما كما فعلت تلك الدول التي طبقت تلك الأفكار فأطلق عليها لاحقا اسم النمور الآسيوية.
| البلد | الإنفاق العام | الميزان المالي | ||||||
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| 1990 | 1995 | 2000 | 2006 | 1990 | 1995 | 2000 | 2006 | |
| الصين | 18.5 | 12.2 | 16.3 | 19.2 | -2.8 | -1.8 | -2.8 | -0.7 |
| إندونيسيا | 19.6 | 14.7 | 15.8 | 20.1 | -0.9 | 3.0 | -1.1 | -1.0 |
| ماليزيا | 27.7 | 22.1 | 22.9 | 24.9 | -2.9 | 0.8 | -5.5 | -3.3 |
| تايلاند | 13.9 | 15.4 | 17.3 | 16.4 | 4.8 | 3.0 | -2.2 | 1.1 |
| الهند | 18.5 | 15.0 | 15.5 | 14.1 | -7.8 | -5.1 | -5.7 | -3.7 |
| سنغافورة | 21.3 | 16.1 | 18.8 | 15.8 | 18.8 | 14.5 | 10.0 | 7.0 |
المصدر: بنك التنمية الآسيوي – القيمة بالمليار دولار أمريكي
ومحليا فقد استقرت مؤخرا سجالات الموازنة العامة لمصر للعام المالي القادم 2009\2010 وسط تضاربات متعددة في وجهات النظر انتهت باعتماد مجلس الشعب لها عند واردات يتوقع أن تصل إلى 225 مليار جنيه مقارنة ب 290 بالعام الماضي، ومستهدف للإنفاق يصل إلى 326.7 مليارا مقارنة ب 341 سابقا بما يكون عجزا في الموازنة المقترحة يقدر ب 100.1 مليار جنيه ممثلا ل 8.5 % من الناتج الإجمالي المحلي. بما يدق ناقوسا للخطر حيث أنه من غير المقبول أن يتعدى العجز في الموازنة نسبة ال 8% كما يشيع الراي لدى معظم الاقتصاديين.
وطبقا لآخر تقرير لصادر عن وزارة المالية والخاص بالدين العام المحلى فقد أوضح أن صافي هذا الدين قد وصل إلى 461.9 مليار جنيه ممثلا نسبة 44.4% من الناتج المحلي الإجمالي، أما إجمالي الدين العام الخارجي فقد وصل حتى ديسمبر 2008 إلى 32.1 مليار دولار بما يمثل 17% من الناتج المحلي الإجمالي، ويجب القول هنا أن الخطورة من عدمها في قضية الدين العام سواء كان محليا أو خارجيا مرتبطة بعنصرين مهمين وهما طول فترة السداد (تتراوح من عدة أشهر إلى أكثر من عشر سنوات أحياتا) ونسبة الفائدة على هذين النوعين من القروض والتي غالبا ما تكون متنوعة على حسب عمليات التفاوض مع المقرض.
وهذا الوضع يعد اختبارا صعبا للأداء الاقتصادي للحكومة في العام المالي القادم، فنسبة النصف في المئة الزيادة عن “الحد الآمن” في العجز ليس نهاية العالم وخاصة في ظل أزمة أطاحت بكثير من الدول النامية التي لم تستطع مواجهتها، فالتحدي الحقيقي يكمن في إدارة ذلك العجز.
وهنا يتوجب على الحكومة إعادة النظر في كثير من جوانب الإنفاق العام ووارداتها المالية حيث أن الترشيد ليس بالضرورة الحل الأمثل إلا أن تفعيل جودة الإنفاق هي بالتأكيد مطلب أساسي. أما تعظيم الواردات يجب التعامل معه كعنصر حساس قد يكون طارد للاستثمار إذا ما أسيئ تطبيقه، فالمطلوب هو إصلاح وتحديث النظام الضريبي والجمركي، ومشاركة قطاع الأعمال في تقديم الخدمات بدلا من الاكتفاء باستقطاع الضرائب منه إضافة إلى استغلال الميزة النسبية للوضع الاقتصادي المصري الغير متضرر بشدة في جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية عن طريق تقديم حلول إصلاحية لتطوير المنظومة الاقتصادية الحالية.
. وهنا قد يكون هذا العجز “غير آمن” نظريا ولكنه مازال لم يصل لحد الكارثية في ظل الظروف العالمية الحالية وهو بالتأكيد قابل للإدارة وخاصة مع ظهور مؤشرات للنمو الاقتصادي في الربع الثالث لهذا العام المالى أكثر مما كان متوقعا، بما يضيف المزيد من النور في الصورة التي يصفها الكثير بأنها قاتمة.
هذا المقال نشر سابقا بجريدة البورصة.