حققت الشرقية للدخان ارتفاعا في الأرباح وصل إلى 11.7% خلال التسعة أشهر الماضية من العام المالي الحالي مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي بما يمثل 621.4 مليون جنيه صافيا للربح بما يؤشر على صحة هذا القطاع الاقتصادي بغض النظر عن صحة مستهلكيه. وهو أمر مثير للانتباه في ظل أمرين: أولا عدم تأثير الأزمة الحالية عليه بصورة كبيرة بل على العكس حقق نموا ملحوظا، وثانيا أن الحرب الإعلامية والقانونية على التدخين لم تخرج عن كونها زوبعة في فنجال. وقد فتح ذلك التطور الباب من جديد أمام البحث والتحقيق في هذه الصناعة المثيرة للجدل خاصة بعد أن قررت الشرقية للدخان زيادة إنتاجها في العام المقبل بنسة 8% ليصل حجم إنتاجها إلى 81 مليار سيجارة توزع كالآتي: 64.7 مليار سيجارة للسوق المحلي، 15 مليار تصنع للشركات الأجنبية بمصر، 700 مليون إنتاج مشترك، وأخيرا 600 مليون للتصدير.

جدير بالذكر أن مصر كانت ومازالت من أهم أسواق إنتاج واستهلاك الدخان في صورته الحديثة كالسجائر والسيجار وغيرها منذ سطوة الثقافة العثمانية على المصرية وخاصة في مرحلة استقرار وازدهار الاقتصاد التركى في القرنين السادس عشر والسابع عشر. ويذكر ايضا أن من أوائل ماركات السجائر المصرية التي غزت العالم وخاصة بعد افتتاح قناة السويس وانفتاح مصر على التجارة العالمية كانت “كريازي فريري” والتي قد تأسست شركتها عام 1873. ومن هنا يأتي الرابط القديم بين المصريين وعادة التدخين كرمز للسطوة والثراء العثماني قديما كنموذج قدمه كبار السياسين وقتها، أو كعادة ارستقراطية غربية جلبها الانفتاح لاحقا تمثلت في السيجار، أو نمط طبقي مهني ارتبط بحتمية تدخين “الأفندية” للسيجارة العادية، مرورا برمزية حق الشباب في تحدي المحافظين القدامى في منتصف القرن العشرين والتعبير عن تحررهم من قيود الماضي، وانتهاءا بحق المرأة في المساواة بالرجل حتى في التدخين. والواضح هنا أن هذا المجتمع قد اعتصرته كل اتجاهات التدخين على اختلافها ومراحله الثقافية إلى أن اندمج بقوة في نسج شخصيته المحلية السائدة، والتي تمثل الداعم الأقوى لمثل هذا السوق الغير عابئ بأي أزمات.

غير أن مجلس الشعب قد أقر قانونا برقم 85 لعام 2002 المعدل والمكمل للقانون رقم 52 لعام 1981 محرما بذلك كافة أشكال الدعاية أو الترويج للدخان. وقد نظر إلي هذا القانون الجديد على أنه الخطوة الأولى على طريق محاربة التدخين قد تقود إلا منعه على الإطلاق في يوم ما، إلا ان السير على هذا الطريق يعد بالغ التعقيدات والتحالفات حيث أن الدولة نفسها هي أكبر منتج للدخان بالشرق الأوسط. ويذكر تقرير لمنظمة الصحة العالمية بعنوان “مخططات صناعة الدخان في مصر وشمال أفريقيا”  أن اللوبي الخاص بشركات الدخان والحكومة ذاتها كانا على درجة عالية من التنسيق في عدة مناسبات تشريعية كان البرلمان المصري فيها على وشك أن يقر قوانين من شأنها الحد من التدخين، وخاصة ما ذكره التقرير من تفاصيل وقعت في عام 1993 بما يدلل على شراسة أي معركة قد يخوصها المشرعون في مسلسل الحرب على التدخين.

 

والآن وبعد أن منعت الدعاية قانونيا، مازالت هذه الصناعة في حالة من النمو والازدها رغم كل التحديات التي تواجهها. وتؤكد الشركات العاملة في السوق المحلية أنهم “لا يعملون إطلاقا على استهداف مدخنين جدد، ولكنهم يقومون بتلبية طلب احتياجات المدخنين الحاليين”. ربما لم يعد المواطن يرى إعلانا ما في الصحف أو التليفزيون يدعوه إلى التدخين أو يداعب مشاعره بالرجولة ناقصة الجاذبية بدون السيجارة، غير أن صناعة الدخان في مصر لم تغلب في أن تجد البدائل للترويج “قانونيا” لإنتاجها من خلال استاندات السجائر في الكافيهات وما شابه والتي لا تمثل أي مخالفة قانونية في كونها مخصصة للبيع، غير أن الخدعة هنا تكمن في ترغيب اصحاب تلك الأماكن بخصومات كبيرة تمثل ربحا جذابا لهم. والجديد ايضا في آخر صيحات الالتفاف حول قانون حظر الدعاية للدخان هو استغلال الكثير من التجمعات الشبابية في كبريات الحفلات الغنائية وغيرها من الأحداث الفنية الأخري وحتى الرياضية منها في بيع الكثير من الماركات لتلك الفئة العمرية والممثلة لأكبر شريحة من المستهلكين فيما لا يعد مخالفة من أي نوع، إلا أن الحيلة هنا تكمن في من يبيعك تلك السجائر من فتيات على درجة عالية من الجمال والاحتراف بإقناعك في صمت بأن التدخين هو أجمل شيء في الوجود.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.