ربما لم تكن مصر من تلك الدول البترولية التي اعتمدت في نموها بصورة اساسية على ذلك، لكنها حتما من الدول الغنية بالكثير من الثروات المعدنية المتعددة عالية الجودة والطلب العالمي عليها، غير أن البترول دائما كان وما يزال محط جذب الإعلام وحديث الناس. ومن تلك الثروات المحلية الغير ذائعة الصيت هو رمل الزجاج أوما يطلق عليه تجاريا Silica Sand. ويعتبر رمل الزجاج من أهم أنواع الرمال التي تدخل في الصناعة والذي يتكون أساسا من معدن الكوارتز SiO2. وما يميز الخام المصري هنا هو نقاوته العالية ولونه الأبيض واحتوائه على نسبة ضئيلة من أكسيد الحديد كما يتضح من شهادات المواصفات الكيميائية والميكانيكية المرفقة مع كل شحنة تصديرية.
ويتركز استخراج رمل الزجاج في منطقتي أبو زنيمة في سيناء والزعفرانة في البحر الأحمر، حيث تشير الأرقام أن هنالك الآن ما يقرب من 20 محجرا في منطقة الزعفرانة وحدها والتي يستخرج منها أكثر من 200 طن يوميا كانت توجه في معظمها للتصدير قبل الأزمة، أما الآن فالتركيز أصبح على السوق المحلي من منتجي الزجاج. ويبدو أن مالكي حق استغلال المحاجر في سيناء ومعظمهم من الشركات الأجنبية قد أصابوا في قرارهم الاستراتيجي لقرب ميناء العريش منها بما يقلل تكلفة الشحن إلى الثلث تقريبا، بعكس المصريين ومشكلتهم المتمثلة في محاجر الزعفرانة التي لا تجد أقرب من ميناء دمياط لها بما يجعل الشحن ممثلا لحوالي 70% من ثمن الطن الذي يتراوح ما بين 95 و 123 جنيه لطن التصدير بناءا على درجة نقاوته، وما بين 44 و 48 جنيها للمصانع المحلية المتركزة في القاهرة والعاشر من رمضان. وتقول بعض الإحصاءات القليلة المتاحة أن إجمالي إنتاج مصر من رمل الزجاج قد وصل إلى ما يقرب من 1.3 مليون مترا مكعبا في عام 2007، تم تصدير ما يقرب من 80% من هذه الكمية في نفس العام.
ويقول المهندس\ وجيه سلامه رئيس مجلس إدارة شركة لاباتشي إنترناشيونال للتعدين “المفروض ألا يقل السعر محليا عن 40 أو 45 جنيه للطن (تسليم محجر) في الوضع الطبيعي”. ويرجع سلامه التخبط الجاري في قطاع التعدين وبالتحديد في مجال تخصصه بمحاجر رمل الزجاج إلى عدم وجود التخصص والكفاءة فيمن يقررون الدخول في هذا النوع من الاستثمار مما يقلل من قيمة الخام ويقلل سعره خاصة مع كثرة العرض على المصانع المحلية وغياب التنسيق بين المستخرجين بما أدي بهبوطه إلى ما دون تكلفة الاستخراج نفسها. ذلك ناهيك عن وجود مشكلة مزمنة في النقل متمثلة في عدم وجود طرق ممهدة (مدقات) لسير الشاحنات عليها على الرغم من حصول المحليات التابعة لها هذه المحاجر على مبالغ كبيرة سنويا.
أما التصدير فيلاقي الكثير من التحديات حيث تمتلك الشركات ذات الاستثمار الأجنبي معظم المحاجر ذات الميزة الجغرافية بسيناء التي تسهل التصدير وهم يسيطرون بذلك على الجانب الأكبر من صادرات هذا القطاع متحكمة في سوقه الخارجي بما يقلل الفرص أمام صغار المستثمرين المتخبطون أساسا. ويوصي سلامة بتطبيق برنامج “حوافز التصدير” على قطاع الرمل الزجاجي لتشجيع المصدر المحلي في الدخول للسوق العالمية بدلا من إعطائها لخامات أخرى قد تكون أقل أهمية على حد قوله، وخاصة بعد أن قل الطلب العالمي عليه مؤخرا نتيجة للأزمة الاقتصادية الراهنة وسياسة حرق الأسعار في السوق المحلي والدفع الآجل من قبل أصحاب المصانع.
وما يؤخذ على هذا القطاع بصفة عامة هو النزوع إلى تصدير الخام دون أي إجراء تحضيري عليه كتنقيته أو غسيله أو صهره، بما يهدره في صورته الأولية ويضيع على الدولة الكثير من العوائد التي تقدر بأضعاف ثمن بيعه الحالي بدون معالجة. حيث يسيطر الأجانب حتى على مثل هذا الاتجاه في زيادة القيمة المضافة مفضلين أن تتم هذه العمليات خارج مصر بما يفقدها ثروتها المعدنية بأبخس الأسعار. وجدير بالذكر أن نشاط استخراج رمل الزجاج يتبع قانونيا “غرفة مواد البناء – شعبة الرمال” والتي حاول المستثمرين في هذا القطاع مرارا وتكرارا عرض مشاكلهم عليها دون جدوى منتظرين ردا لم ياتي حتى الآن من وزير التجارة منذ بداية هذا العام في مسلسل استمرار هدر ثروات مصر المعدنية.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.