غالبا ما يصعب على الناس تخيل أحد الاقتصاديين الغارقين في الأرقام والمعادلات والرسوم البيانية أن يكون إنسانا عاديا له ميول أخرى غير علمية أومواهب فنية لا تقل تميزا عمن تفرغوا لها. فالاقتصادي الشهير “مالثس” كان شاعرا، وواضع النظرية العامة “كينز” كان مولعا بفن الباليه. ونجد كثيرا من الأمثلة في تاريخ هذا العلم الممل أحيانا والقاسي أحيانا أخرى بشخصيات على درجة عالية من الكفاءة العلمية والأكاديمية وقد وجدوا لأنفسهم طريقا موازيا ملئ بما يصقل جوانبهم الإنسانية كبشر طبيعيين يحبون ويكرهون، يسعدون ويحزنون، تماما كباقي أمثال البشر.
نبيلة الاسكندراني أستاذ علم الاقتصاد الجزئي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة ماهي إلا نموذجا آخر لهذا النوع من الأكاديميين. فهي أستاذ ذائع الصيت بين طلاب الجامعة بتفوقها العلمي كما يتضح من الطلب العالي على التسجيل في فصولها الدراسية، وكما يتحدث عنها طلابها على أنها أفضل من يفهمون منه هذه المادة الصعبة كثيرة المسائل الرياضية المعقدة أحيانا. ومعروف عنها كذلك أنها لاتعطي التقديرات النهائية جزافا بل يجب أن يعمل طلابها جاهدين للحصول عليها في مقابل المجهود العلمي الذي تبذله من أجل توصيل المفاهيم الاقتصادية بأوضح الصور والتطبيقات لهم.

أما على الجانب اآخر من شخصيتها، فهي تعمل ايضا كمدرسة لرقص الجاز بنادي الجزيرة الرياضي، وهو أحد أشكال ما يسمى بالرقص الحديث المتداخل مع المشاهد التمثيلية والتعبيرية. وجدير بالذكر أنها ابنة أخ سمير الاسكندراني، المطرب ذائع الصيت بأواخر السبعينات والثمانينات ومن المجددين بخلط الموسيقي الشرقية بالغربية. وقد كان والدها مدير أعمال أخيه لمدة عامين فقط ومنتج ألبومه “قدك المياس” الذي مزج فيه بين المقامات الحلبية وإيقاعات الديسكو. وربما كان ذلك ما مثل النواة بداخلها التى نمت في صورة ميولها الفنية لاحقا.
وعودة لحياة نبيلة الأكاديمية، فقد كانت من المتفوقات بالجامعة الأمريكية حيث حصلت على درجة البكالوريوس في الاقتصاد مع الشرف، ثم الماجستير من نفس الجامعة في تحليل الميزات التنافسية في الاقتصاد المصري، والدكتوراه في نفس الموضوع أيضا ولكن من الجامعة الأمريكية بلندن مع بعض التوسع في المنظور العلمي، وقد نشرت كذلك لها بعض الدراسات العلمية المرتبطة بنفس الموضوع مرة أخرى ضمن أبحاث هيئة المعونة الأمريكية. ربما يعود هذا التفوق الأكاديمي لما ورثته عن والديها من حب العلم حيث كان والدها على رغم اهتمامه بالفن (ولو عن بعد) أستاذا لعلم النظم بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، ووالدتها أستاذا للرياضيات والتفكير العلمي بنفس الجامعة وقد حصل كلاهما علي عدة شهادات للماجستير ودرسا سويا للدكتوراه بجامعة ولاية بورتلاند حيث ولدت نبيلة ثم جاءت إلى مصر وهي طفلة صغيرة.
واحتراف الرقص الحديث لديها لم يكن وليد الصدفة، فقد كانت بطل الجمهورية للجمباز في سن العاشرة ومثلت مصر في كثير من البطولات الدولية وحصلت على العديد من الميداليات، مما أهلها بعد ذلك للالتحاق بفريق الرقص الحديث بدار الأوبرا المصرية في الرابعة عشرة من عمرها بعد إصابتها بالرباط الصليبي، فمثلت مصر في عدة مهرجانات فنية بأوروبا والولايات المتحدة. وقد بدأت نبيلة تدريس رقص الجاز عندما كانت بسن الخامسة عشرة في أكبر مركز للتدريب على مثل النوع من الفنون في مصر، واستمرت هكذا حتي تفرغت للتدريس بالجامعة والعمل كمدير لأحد الإدارات بشركة عمر أفندي وتقليص نشاطها الفني وقصره على دورات نادي الجزيرة فقط. وفي سؤال لها عن مدي تأثير اهتماماتها الفنية على علاقتها مع طلابها، أجابت “بعض الطلاب بالجامعة يدرسون لدي بالنادي والعلاقة طيبة جدا ومبنية على الاحترام المتبادل لأني مجتهدة، وعامة أنا أدرس الرقص للبنات فقط”. وهكذا جمعت نبيلة الاسكندراني بين ما يراه البعض على أنه النقيضين، غير أنها أجادت كليهما.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.