إنت إيه؟ سؤال يبدأ بضمير المخاطب بمعنى أن المجيب يجب أن يكون إنسان طالما أن السائل يتوقع إجابة. غير أن “إيه” لا توجه إلا لغير العاقل كالجماد مثلا، مما يجعل السؤال في حد ذاته قمة في الغباء. وقصة هذا السؤال “البليغ” تعود لموقف حدث في محطة مصر للقطارات عندما اصطحبت إحدى زميلاتي الأجنبيات بالجامعة لمساعدتها في حجز تذكرة سفر للأقصر، فأوقفني رجل شرطة بدين بالمحطة وسألني بصورة مستفزة “إنت إيه؟”. ومن المنطقي أنني رفضت التعاون معه بناءا علي وقاحته فأجبته “بني آدم” فغضب بصورة لم تخلو من اللجلجة فسأل: ومين دي؟ وهنا عرف أن يفرق في سؤاله بين الإنسان وغيره، فهي بالطبع أجنبية! فأجبته: “واحده”. ففاجأني بآخر “وإيه إللي ممشيك معاها؟” وكأننى مخالف للقانون، أو أن هنالك قانون يمنع سير المصريين مع الأجانب، فأثار انتباهي ذلك الاستجواب وطريقته الجاهلة فقررت توصيله “لحارة سد” وأجبته مدعيا: خطيبتي.
لكن المفاجأة الأكبر والباعثة على الضحك حقا أنه طلب مني ما يثبت خطبتنا وكأن المشرع المصري قد أضاف قانونا لاستحداث وظيفة مأزون خطوبة شرعي لتنظيم العلاقات العاطفية. فرفعت صوتي عليه بنوع من التعالي، فتقهقر أسلوبه الفظ مسرعا مخبرني “إنت زعلان ليه ياباشا داحنا كلنا في خدمتك” وذلك في محاولة منه لتجنب مشكلة ما بعد أن أخرجت الموبايل محاولا الاتصال بشخص لم أعرف حينها من هو، وانتهى الموضوع على ذلك. غير أنه بعد أن وضعني في موقف محرج أمام زميلتي جعلني أحس بانتقاص مواطنتي في محاولته لحماية “الخوجاية” مني، الأمر االذي أثار غضبها هي أيضا من سوء المعاملة، فخسر هو من الجهتين بفعله هذا. فسألت نفسي لماذا لا تتم خصخصة الشرطة من أجل الحصول على خدمة أفضل في زمن يخصخص فيه كل شيء. فالشرطة تأخذ رواتبها من الضرائب التي يدفعها المواطنون، إذا لماذا لاتوجه هذه الأموال بصورة مباشرة من الأفراد إلى الشرطة شريطة تقديم خدمة حقيقية عالية الجودة ومدروسة علميا.
والحقيقة أن هذا التجاه في خصخصة الشرطة ليس بالجديد فبريطانيا العظمى كانت الشرطة فيها في الأصل خاصة إلى أن جاء جورج الثاني وبدأ يتأميم هذا القطاع تدريجيا بداية من عام 1737، وكانت تلك الأنشطة متكررة في كثير من دول العالم وقتها. والنموذج الأكبر الآن متواجد في الولايات المتحدة المعروفة بإيمان نظامها المطلق بالقطاع الخاص. حيث بدأت ببعض النماذج التجريبية لأجهزة الشرطة الخاصة في بعض المدن من عدة عقود ومازالت التجربة قيد الاختبار والملاحظة بين مؤيد ومعارض. وتتعدد الأمثلة هناك وتواريخ بداياتها كمدينة أوروفالي بولاية أريزونا منذ عام 1975، وريمايندرفيل بولاية أوهايو منذ عام 1980 وغيرها العديد من النماذج التي قد تتعدى العشرة في الولايات المتحدة وحدها. وهي ببساطة مبنية على أن تولي الحكومة حماية منطقة ما إلى ما يسمي Police Companies أو “شركات الشرطة” بمقابل مادي يدفعه أهلها متلقي خدمة الحماية والخدمات الشرطية التقليدية بما فيها حق التوقيف والضبط والإحضار. تماما كما يحدث في سلسلة أفلام “ملائكة تشارلي” والتي تبين أنها مبنية على قصة حقيقية بنفس إسم الشركة بغض النظر طبعا عن التفاصيل الدرامية.
غير أن هذا الاتجاه بالطبع يواجه كثير من النقد والهجوم في معظم دول العالم بما فيها الولايات المتحدة نفسها الرائدة في ابتداع مثل هذه الأفكار، حيث تواجه الفكرة بكثير من التحديات الدستورية في حق المواطن في الحماية مجانا وغيرها من التفاصيل الإجرائية في إشكالية أن مدنيا يستوقف مدنيا إضافة إلى تفاصيل أخرى لم يستطيعوا التغلب عليها حتى الآن، إضافة إلى وسيلة الدفع وقيمته مقابل تلقي تلك الخدمة والمقارنة بين مستوى الخدمة الموجهة للفقراء مقابل تلك التي يتلقاها الأغنياء بما يجعل التجربة كلها محل تساؤل. أما في مصر فهذا الموضوع من الطبيعي والبديهي ألا يكون قابلا للنقاش أو الطرح من الأساس نظرا لطبيعة الظروف الحالية وتحدياتها إضافة إلى الخلفية الثقافية للشعب المصري والتي قد تعد أكبر تحديا لمثل هذه الأفكار سواءا كمتلقين للخدمة أو مقدمين لها. فالقطاع الخاص لم يثبت كفاءته بعد في تقديم ما يسمى بالخدمة الجيدة في غياب الوعي الحقيقي بدور جمعيات حماية المستهلك.
وأتذكر هنا سائق تاكسي العاصمة على سبيل المثال (الذي كان يتوقع منه أن يرحمنا من مهاترات التاكسي القديم والمغالاة في الأجرة) وهو يجادل رافضا إرجاع باقي المئة جنيه بعد توصيلي للمطار مدعيا عدم وجود الفكة ومستغلا ضيق الوقت، وهي قصة دائمة التكرار. الأمر الذي يجعلني أتخيل في حال دخولي “قسم شرطة خاص” لطلب الحماية أن يسلمني الضابط المسؤول فاتورة الحساب مقابل الخدمة الأمنية بابتسامة عريضة، فإن لم تكن لديه الفكة الكافية يقوم بوضعي في التخشيبة إلى أن يرسل حملة للبحث عن فكة المئة جنيه أو أن أتنازل عنها بمحضر رسمي.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.