صعد نجم شركات الإنتاج الإخباري العاملة بمصر سواء المحلية منها أو العربية بعد تتابع الأحداث العسكرية والسياسية الأخيرة بالمنطقة كالحرب على غزة والحراك السياسي الدائر إقليميا. ويعمل من القاهرة وحدها أكثر من خمس شركات أساسية في هذا المجال وعشرات الشركات الصغيرة الأخري التي تعمل من الباطن أو تزاحم الأخرى في اقتناص بعض الاتفاقات الصغيرة مع القنوات الإخبارية الراغبة في المنتج الإخباري المصري عالي الطلب كما يبين المستثمرين في هذا المجال على الرغم من انتقاداتهم للوضع القانوني الغير واضح لممارسة هذا النشاط واستمرارية الكثير من اعتماد القنوات الإخبارية العربية على الوكالات الأجنبية.

ويقول د. قاسم على رئيس مجلس إدارة وكالة رامتان للأنباء أن مصر تمثل الثقل السياسي والاقتصادي و التاريخي إضافة إلى وجود مقر الجامعة العربية بالقاهرة بما جعل المنتج الإخباري المصري ذو أهمية كبيرة عربيا وعالميا حتى لدى من يختلفون سياسيا معها. ويبرر قرار الوكالة باتخاذ القاهرة مقرا لإدارة مكاتبها الأخري المنتشرة بالعالم العربي وبعض العواصم الغربية بقوله “مركز مصر الإخباري جذاب وأردنا الإنتاج بعيون مصرية وعربية أكثر عمقا لأن الأجنبية يصعب عليها الفهم الصحيح للأحداث”.

وجدير بالذكر أنه حتى منتصف التسعينات كانت وكالتي رويترز وأسوشياتد برس تسيطران على معظم الإنتاج الإخباري في العالم كنوع من الاحتكار التجاري المدعوم سياسيا، وظلت منطقة الشرق الأوسط تحت سيطرتهما حتى تلك الآونة. وقد بدأت شركة فيديو كايرو سات بالمنافسة بقوة في السوق الإخبارية المصرية في ذلك التوقيت تقريبا، على الرغم من بداياتها في أوائل الثمانينات، وجدير بالذكر أيضا أن تلك الشركة والتي يراس مجلس إدارتها محمد جوهر هي صاحبة الملكية الفكرية الوحيدة وحقوق العرض عالميا للمشاهد الشهيرة لحادثة اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، وهي تعتبر أقدم شركة بالسوق المصري.

وهذه الخدمات الإخبارية التي تقدمها تلك الشركات هي موجهة بصفة أساسية إلى القنوات الإخبارية على اختلاف جنسياتها ولغاتها. فعلى عكس الصورة المرسومة دائما بذهن المشاهد أن تلك القنوات العالمية هي صاحبة السبق والجهد بتغطية الخبر، فالحقيقة أنها في معظم الأحيان مجرد مشتر للخبر الذي تعمل على إنتاجة ومتابعته تلك الشركات الموجودة بموقع الحدث، فتقوم بناءا على التعاقد المبرم مسبقا معها بتوفير كل شيء بداية من الكاميرات مرورا بمحتوى الخبر نفسه وانتهاءا بوضع المراسل وبيده الميكروفون الموضوع عليه شعار القناة ليؤدي تقديم الخبر وينسبه أخيرا للقناة صاحبة التعاقد، وهذا هو الاتجاه الجديد عالميا لانتاج الأخبار منذ أكثر من عقد مضى لضمان سرعة ودقة وفهم أعمق للخبر، وتجنبا لتكاليف السفر ونقل المعدات الخاصة بالقناة كما كان يحدث قديما.

وتعتبر الأسعار المحلية الخاصة بتقديم تلك الخدمات من مصر منافسة مقارنة بالأسعار العالمية الأخرى شديدة الارتفاع. فعلى سبيل المثال تدفع القنوات مابين 500 و800 دولار للتقرير الإخباري بمدة لا تزيد عن 3 دقائق في المتوسط بدون مراسل والذي قد يكلف القناة من 150 إلى 200 دولار عن كل تقرير توفره الشركة لها في حال عدم وجود مراسل القناة الخاص بها. وتتقاضى تلك الشركات أيضا مقابلا لتوفير بعض الخدمات الأخرى وكلها تتراوح مابين 100 أو 200 دولار لليوم كمترجم أو باحث أو سيارة بسائق وغيرها الكثير من التفاصيل مدفوعة الأجر من قبل القنوات الإخبارية، ناهيك عن التغطيات الخاصة والحصرية لبعض الأحداث والمؤتمرات والتي تمثل في مجملها موردا اقتصاديا هاما بصفة عامة ومصدرا للنقد الأجنبي بصورة خاصة حيث أن معظم تحويلات تلك القنوات تتم بالعملات الصعبة.

وعلى الرغم من كل مميزات هذا النوع من الاستثمار وأهميته النوعية إلا أنه يواجه ببعض التحديات يتمثل أهمها في عدم وضوح القوانين المنظمة لهذا النشاط بناء على المناخ السياسي السائد في مصر ومعظم الدول العربية مركزية النظام. حيث تخدم تلك الضبابية أصحاب القرار السياسي في التدخل في الوقت اللازم حين يتراءى لهم محددين نشاط البعض وسامحين للآخرين طبقا لطبيعة المادة الإعلامية التي تبثها تلك الشركات فضائيا أو أسماء وجنسيات القنوات التي تخدمها وقد تصل أحيانا إلى الغلق المؤقت حسب طبيعة الظرف الأمني.

ويقول د. قاسم علي “نحن في حاجة لتحديث تلك القوانين الخاصة بالعمل التليفزيوني والبث الفضائي في الوطن العربي عامة وفي مصر خاصة إضافة إلى حرية نقل الصورة، وأنه على العرب أن يفهموا العمل الإخباري كصناعة”. ويضيف أيضا أن هنالك مشكلة أخرى تتمثل في عقليات القنوات العربية نفسها المتلقية لتلك الخدمات حيث أن هذا العمل مازال مجهولا بالنسبة لها وغير مهتمة به بما يجعلها مستمرة في الاعتماد على وكالات الأنباء الأجنبية حتى في داخل بلدانهم العربية في ظل حالة من فقدان الوعي والدعم لتلك الشركات الوطنية التي من المفروض أنها تقدم فهما أعمق وتغطية أدق للأحداث المحلية.

وبعيدا عن الفائدة الاقتصادية المباشرة أو الإعلامية الأكثر دقة، ينظر إلى هذا النوع من الاستثمار على أنه ذو فائدة عالية من عدة محاور. فالتكنولوجيا المستخدمة في هذا النشاط الإنتاجي دائما ما يجب أن تكون في أحدث صورها كي تتناسب مع درجة الجودة التي تتعامل بها القنوات العالمية، بما يدفعها إلى دعم تلك الشركات وتبصيرها بأحدث التقنيات الفضائية والإنتاجية بما يرفع مهارات الفئات العاملة بهذا المجال بما يسمى اقتصاديا Technology Spillover أو الامتداد التكنولوجي والذي دائما ما تعوقه الدول المتقدمة من الوصول لتلك التى لا تملكه، وهي مشكلة يتمتع ذلك النشاط بغيابها. ويقود ذلك بدوره إلى الفائدة التالية وهي توفر الأيدي العاملة المدربة على التعامل مع مثل هذا النوع من التكنولوجيا الغير محتكرة عالميا، بما يوفر بالطبع الكثير من العوائد الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة ككوادر تساهم في رفع مستويات الدخول سواء في حالة العمل بالسوق المحلية أو الإقليمية حيث يعلو الطلب على الإعلاميين المصريين عربيا بما يؤثر بدوره في الدفع بمعدلات النمو.

أما العنصر الهام المتمثل بحجم الاستثمار الذي توجهه تلك الشركات، فهو يعد محدودا نسبيا ومتمثلا في حجم الأصول التقنية التي يضخ فيها معظم الاستثمار في بدايات النشاط. أما تكاليف الإنتاج فقد تكون معدومة في بعض الأحيان أو محدودة في أحيان أخرى، نتيجة لطبيعة المنتج الإخباري التي تتمثل قيمته وربحيته في القدرة على السبق والوصول للخبر وبثه قبل الآخرين بصورة كلما كانت متميزة كلما زادت ربحيتها. على عكس الأنشطة الصناعية الأخرى التي تحتاج إلى مستويات أعلى من الإنفاق على الإنتاج من أجل الحصول على هامش ربحي لايمكن مقارنته بالصناعات التقليدية الأخرى وخاصة في حال الحصرية، حيث يجوز للشركة أن تطلب أعلى سعر بصورة استثنائية وخاصة حين يكون الخبر خطيرا أو كارثيا كخبر “اغتيال السادات” الذي تمتلكة فيديو كايرو سات، أو “قصف أسرة هدى غاليه” على شاطئ غزة والذي تمتلكه وكالة رامتان للأنباء.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.