قررت وزارة التريية والتعليم العالي الكويتية غلق باب التقديم أو الالتحاق بالجامعات المصرية بدعوى ضعف المستوى الدراسي بها. قرار قد يبدو مهينا لتاريخ التعليم الجامعي بمصر والريادة الأكاديمية بالمنطقة، غير أنه على الرغم من التشكيك في دوافع مثل هذا القرار الكويتي الغير عادي، علينا أن نعترف أن مصر تعاني من أزمة جودة حقيقية في مستوى تعليمها الجامعي سواء الحكومي منه أو الخاص. فالخدمة التعليمية المقدمة في الجامعات الحكومية لا تختلف كثيرا عن مستوى رغيف الخبز بمنافذ التوزيع حيث تشتري مالا ترضى عنه وأنت صامت، والنقاش حول ذلك مع أساتذتها مستحيل، فهم يتعاملون مع أنفسهم وكأنهم هبطوا من السماء وأنه على الطلاب أن يصلوا ركعتين شكرا لله على أن وهبهم إياهم فهم فوق البشر. والعكس تماما يحدث في الجامعات الخاصة، فتجدهم وربما نفس الأساتذة راضخين لضغوط إدارات مثل هذه الاستثمارات لتقديم تنازلات وتسهيلات غير منطقية وبالغة الضرر بمستوى الجودة التعليمية والحياة الأكاديمية “عشان المصلحة تمشي” في ظل تفضيل الربحية على النزاهة الأكاديمية.

وما يحدث الآن بمصر هو العكس تماما لما يجب أن يكون من استثمار في التعليم ورفعا لكفاءته وجودته من أجل الدفع بعجلة التنمية الاقتصادية والبشرية الحقيقية. صحيح أنه من الصعب على الدول النامية أن تطبق نظريات التنمية الداعية إلى التطوير الشامل لكل مراحل التعليم من الحضانة وحتى الجامعة، فالتكلفة هنا لا تتحملها غير دول مثل الكويت عانت عدة مرات من حيرة الحكومة فيما تفعله بفائض الموازنات السنوية. لكنه في الدول النامية مثل مصر وغيرها دائمة العجز في موازينها، عادة ما يكون هنالك محاولات للحلول الوسطى وتمشية الحال. وهنا يعود مصطلح “سياسة الهرم المقلوب” إلى طريقة التفكير في التغلب على تحدي تطوير منظومة التعليم في أي دولة.

فقد قامت الهند في بداية التسعينات بتطبيق تلك الاستراتيجية بعد أن أدركت استحالة الإنفاق الكامل على اي نوع من البرامج الشاملة لتطوير كافة مراحل التعليم كما ينصح اصحاب النظريات. فقد قررت الحكومة وقتها اختيار المرحلة الجامعية فقط والتركيز عليها بشدة عن طريق تغيير شامل في كافة استراتيجيات تلك المؤسسة بتطبيق أعلى معايير الجودة العالمية في الدراسة وفرضها على ذلك المجتمع طلابا وأساتذة بشدة بدت وقتها غير منطقية وخاصة في ظل ضعف مستوى خريجي المدارس الثانوية، غير أن ثمة برامج خاصة أعدت للتغلب على هذا التحدي الآخر ونجحت الهند بالفعل في تخريج دفعات من الجامعيين القادرين على أن بقودوا حركة التنمية بوطنهم.

وترجح فكرة الهرم المقلوب هنا لصعوبة الحل الشامل ماليا، فيتم الاستثمار في البشر على المدي القصير وهي مدة الدراسة الجامعية فقط بموتوسط اربع سنوات دراسية، يخرج الفرد بعدها إنسانا آخر مناسبا لأن يكون أحد العناصر الإنتاجية والفعالة في مجتمعه، بما يجعله مباشرة سببا أساسيا في زيادة الناتج الإجمالي القومي والنمو بصفة عامة. وهنا يجئ دور المراحل الأخرى لاحقا في الاستفادة من هذا النمو السريع الحادث بنصيب ما، حيث يتم إطلاق برامج إصلاحية أخرى للتعليم يمولها بطريقة غير مباشرة خريجي الجامعات عالية الكفائة والمطلوبون محليا وعالميا بمساهمتهم بالنهضة الاقثصادية للدولة كما نرى جميعا مؤخرا كيف اصبحت الخبرات والكفاءات الهندية في كل مكان بالعالم تقريبا.

غير أنه ما يثير الأسى حقا على المستوى المصري، أن تلك التجربة الهندية الرائدة ليست بالجديدة علينا نحن كمصريين. فقد كان محمد على بعد توليه الحكم عام 1805 أول من ابتكر سياسة الهرم المقلوب تعليميا فلم يكن باستطاعته الانتظار عقودا من أجل توفير كوادر مصرية ووطنية من أجل بناء دولته الحديثة التي اصبحت قوة عالمية في أقل من عشرين عام بعد أن أوصلها المماليك والعثمانيون إلى قاع مستنقع الفقر والجوع والجهل حتى عام 1804 كما رسم المؤرخون صورة مأساوية وبربرية في ظل خكم خورشيد باشا السابق لمحمد على، لكن يبدو أن أصحاب القرار قد نسوا ذلك في زحام واقع مصر المعاصر.

ربما يكون مستوى التعليم الجامعي بمصر ليس بتلك المأساوية فالبعض يجد طريقه بصورة فردية واستثنائية متحديا كل الصعاب ومتحايلا على منظومة الصدأ الأكاديمي، غير أن دولة مثل الكويت بكل فوائضها المالية غير مضرة بالطبع لإرسال أبنائها والإنفاق عليهم في جامعات تكتظ بكثافة بشرية كيوم الحشر،وأساتذة يتعاملون مع طلابهم على أنهم غير مكتملى الهوية الإنسانية في حضرة آلهة المنظومة الرثة الغير عابئة سوى بتفريغ شحنات من أمراضهم النفسية وتفريغ جيوب الأهالي بشراء “الملازم” من كشك العلم والإيمان المجاور لسور الجامعة.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.