الجميع يعرف ويغض الطرف على أن العالم يعيش مؤامرة اقتصادية تعددت أشكالها على مر التاريخ الحديث، ختى في إدارة الكوارث يفعلها الكبار ويدفع ثمنها الصغار كما يحدث اليوم. فمنذ سطوع نجم الغرب كقوة استعمارية لم يسلم العالم النامي من سطوة أصحاب القوة ورغبتهم في استنزاف ثروات من لا يملك حق الردع. هكذا كان الحال دائما حتى الحرب العالمية الثانية، مؤامرات متشابهة ولكنها لم تكن ابدا متوحدة الهدف أو الاستراتيجية في ظل المنافسة الاستعمارية على أرزاق الضعاف. غير أن العالم لم يعش مثل هذا التوحد التآمري من قبل حتى إعلان انتهاء تلك الحرب، والشروع في إطلاق ذلك النظام العالمي الجديد الذي انسجمت رؤى لاعبيه الكبار لأول مرة على كيفية إعادة توزيع النفوذ والأدوار العالمية وحقوق استغلال الآخر، حتى الاتحاد السوفيتي نفسه لم يكن بهذا البعد عن تلك اللعبة. والشرعية هنا لم تكن موكلة لدولة بعينها بل لمؤسسات كونية أسموها صندوق النقد والبنك الدولي وغيرهما، ومن لا يعرف فليقرأ جيدا في تاريخ نشأتهما بعد الحرب، وليسأل نفسه، لماذا يجب أن يكون رئيس أحدهما أمريكيا والآخر أوروبيا؟ وماذا قدمت القوى الاستعمارية القديمة من تنازلات في مقابل “خطة مارشال” الأمريكية السخية؟ والغريب حقا أنها ليست أسرارا، فالكتب مليئة بالحقائق، ولكننا مازلنا نغض الطرف.

لكن التاريخ المعاصر في المقابل مليء بالزعامات التي رفضت أن تتجاهل حقيقة تلك المؤامرة الموثقة داعين إلى تعزيز ما يمكن أن نسميه اقتصادا وطنيا قادرا على وقف هذا الاستنزاف للموارد والبشر. غير أن صوتهم كان دائما أعلى من اللازم، وشعاراتهم أيضا كانت أكبر من حقيقة القدرة على مواجهة عالمين: أحدهما متآمر والآخر صامت. والنتيجة كانت دائما إما عودة الاحتلال، الانهيار الاقتصادي، أو العزلة التامة التي حتما تؤدي إلى نفس النهاية المأساوية بصورة لا يدفع ثمنها غير نفس الشعب الذي يقصد الدفاع عنه. والأمثلة هنا واضحة ولا تنسى: مصر وحرب 67، تشيلي وتفجير برلمانها بنوابه المنتخبون، كوبا وحصارها طويل الأمد، البرازيل ودعم انقلاباتها العسكرية، ومؤخرا فنزويلا ونجمها الإخباري شافيز، كلها نماذج تعبر عن رفض النظام العالمي لأي نوع من الاستقلالية الاقتصادية الوطنية وحماية الثروات لأصحابها الشرعيين. غير أن هؤلاء الزعماء جميعا لم يكن يميزهم أكثر من صوتهم العالي ودعواتهم الأفلاطونية يتحرير العالم بصورة شديدة الدرامية خالية من معرفة القدرات الحقيقية للذات كمن يدفع الحائط بيديه العاريتين.

لكنه وفي المقابل من تلك الصور البطولية الكلاسيكية، لم يخلو العالم النامي من بعض القادة على قلتهم، والذين لم تقل نزعاتهم ومسؤلياتهم الوطنية عن هؤلاء من أصحاب الصوت العالي والطموح الجامح. ولا أعتقد أن أحدا قد يمل من كثرة تكرار اسم الرئيس الماليزي السابق مهاتير محمد، ذلك الدبلوماسي الهادئ الذي استطاع أن يجعل كل الغرب يجزم بوداعته وطلب السعي من أجل صداقته كحليف لتلك الدولة الصغيرة (أو التي كانت صغيرة) من أجل ضمه لنفس المنظومة العالمية الفاسدة. والدراسات عن التجربة الماليزية والدور القيادي لهذا الرجل تثبت عكس ما اعتقدوه جميعا. فالرجل شديد الوطنية والغيرة على بلده وخاصة على قوميته “الملايو” والتي كانت تمثل غالبية مستضعفة عن طريق الجالية الصينية هناك المدفوعة من الغرب للسيطرة على الاقتصاد الوطني الماليزي. وقد أدرك مهاتير محمد هذه المؤامرة من قبل حتى أن يبدأ حياته السياسية، فتقول دراسة عن شخصيته أنه منذ شراء أول سيارة له كان دائما يصر على أن يكون سائقه الخاص من الجالية الصينية عالية النفوز من أجل إطفاء نار غيرته الوطنية على أبناء شعبه الملايو المستضعفين والغارقين في الفقر والجهل، غير أن أحدا لم يسمع له صوتا.

بل كان شديد الدبلوماسية صديقا ذكيا للغرب وأصحاب القوى، ولم يلفت الانتباه أبدا لمخططاته القومية الاقتصادية الخاصة الغير تحررية بتلك الصورة المطلقة كما يرغب البنك الدولي أو صندوق النقد، لاعبا بكل هدوء من أجل تحقيق مخططاته التنموية الشاملة ذات مواصفاته الخاصة التي تصون لشعبه ثرواته الوطنية وكرامته بين شعوب العالم. ولم يسمع العالم صوته سوى في الوقت المناسب عندما فاجأ صندوق النقد الدولي برفض عنيف لكل “أوامره” لأول مرة إبان أزمة النمور الآسيوية عام 97 بصورة فاجأت الكبار بهذه المنظومة الاقتصادية الفاسدة وأدركوا حينها أن قوة اقتصادية مستقلة جديدة قد ولدت دون أن يلحظوا وأن عليهم أن يتعاملوا معها بقدر عال من الدبلوماسية كشريك اقتصادي صاحب قرار استطاع أن يكون أول من خرجوا من الأزمة. بل وما يضيف حقا لسجل إنجازات هذا الرجل أنه بعد أن تأكد أن بلاده قد وصلت إلى بر الأمان الاقتصادي والتنموي الحقيقي، أعلن استقالته بعد أن اطمأن على أن رسالته قد تحققت وبدون أي خسائر أو مغامرات عسكرية أو سلطوية.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.