أصدر البنك الدولي تقريرا صحفيا الإثنين الماضي بعنوان “الاضرابات الاقتصادية العالمية وتأثيراتها الدرامية على التدفقات المالية للدول النامية”. وقد اشار التقرير إلى الهبوط الحاد في التدفقات المالية الموجهة للتلك الدول في عام 2008 إلى 707 مليار دولار بعد أن كانت قد وصلت إلى 1.2 تريليون دولار في 2007، وتوقع التقرير أيضا أن تستمر تلك التدفقات في الهبوط خلال 2009 وصولا إلى 363 مليارا.

وحذر التقرير من أن العالم قد دخل بالفعل في مرحلة من تباطؤ للنمو تتطلب سياسات أكثر شدة ورؤية أعمق للأنظمة المالية. ويتوقع أن تنمو اقتصادات الدول النامية فقط بمعدل 1.2% هذا العام بعد أن كانت قد وصلت إلى 8.1% عام 2007 و5.9% عام 2008، وباستثناء الهند والصين سيشهد معدل النمو في مجمل الدول النامية تراجعا بنسبة 1.6% مسببا الاستمرار في ارتفاع نسبة البطالة ودخول المزيد إلى قطاع مادون خط الفقر. أما بالنسبة لمعد النمو العالمي فيتوقع أن يكون سالبا بانكماش قدره 2.9% من الناتج الإجمالي العالمي عام 2009.

ويقول جستن لين نائب رئيس قسم التنمية الاقتصادية بالبنك الدولي “من الممكن أن تكون الدول النامية هي القوى الرئيسية المحركة لعملية التعافي الاقتصادية المبنية على انتعاش استثماراتها المحلية والدعم العالمي لها في حال استئناف التدفقات المالية الدولية”. وقد أضاف هانز تيمر مدير مجموعة آفاق البنك الدولي أنه “من أجل تجنب موجة أخرى من البلبلة، على السياسات أن تركز بسرعة على إصلاح القطاع المالي وتقديم الدعم للدول الأكثر فقرا”. وقد أشار التقرير أيضا أن عملية التكامل العالمي ومشاركة القطاع الخاص في التمويل الدولي قد أفادت كثيرا، غير أنها أيضا ساهمت في توسيع دائرة الاضرابات. وأن الدول النامية حاليا تعتمد بدرجة كبيرة على التدفقات المالية الغير حكومية وأن الكثير من تلك الدول قد تضرر بشدة من انهيار هذا النوع من التمويل في ظل دخول تلك الشركات والبنوك الخاصة في مرحلة طلب الإغاثة حتى لنفسها.

وفي محاولة من التقرير لرسم الصورة الحالية والمستقبلية للقطاعات الجغرافية الواقعة فيها تلك الدول النامية، صور مجموعة دول شرق آسيا والمحيط الهادي على أنها أكثر من أصيب بنيران الأزمة بسبب علاقاتها التجارية الوثيقة مع الدول عالية الدخل، إضافة لهبوط معدلات الاستثمار بها وحجم الصادرات وإنتاجها الصناعي متنبئا أن حجم النمو لن يتعدى 5% هذا العام. ويتوقع التقرير أن يبدأ التعافي في هذا الإقليم بالنصف الثاني من 2009 وبدايات 2010 معتمدا على الحوافز المالية الصينية والتعافي النسبي المتوقع للصادرات إلى الدول الأغنى، ويتوقع أيضا أن يكون التعافي تدريجيا بنمو إقليمي للناتج الإجمالى المحلي متنبأ له أن يزداد بنسبة 6.6% في 2010 و 7.8% بحلول 2011.

أما في الدول النامية الواقعة بأوروبا وآسيا الوسطى فهي الأكثر تضررا بالسياسات المالية والتطورات التي تبعت الأزمة حيث دخلت الكثير من تلك الدول فيها بسبب تعدد العجوزات في موازينها بعد الأزمة وخاصة الموازين التجارية التي ولدت لديها جوا محليا محموما وخاصة تلك التي كانت تعتمد بقوة على التدفقات المالية الأجنبية إضافة إلى هبوط الطلب على صادراتها الذي تولد عن الأزمة. ويتوقع لهذا الإقليم أن يهبط الناتج الإجمالى المحلي به بمعدل 4.7% في 2009، ثم يعود للتعافي بمقدار 1.6% بالعام 2010.

وفي دول أمريكا اللاتينية والكاريبي يرى التقرير أنها قد دخلت الأزمة متسلحة بنظام مالي أقوى من مثيلاتها من الدول النامية الأخرى ليس على المستوى المالى فقط بل على مستوى عملاتها وسياساتها الاقتصادية الأساسية بصورة أقوى من الماضي. غير أنها أيضا تشعر بالأزمة نتيجة لهبوط أسعار السلع وخروج رؤس الأموال الأجنبية منها بصورة كانت سريعة. وقد ساعد وجود مرونة نسبية في أسعار تبادل العملات على امتصاص الأزمة هناك على الرغم من تأثر أسعار الأسهم وتخبطها. ويتوقع إقليميا أن يهبط الناتج الإجمالي المحلي بمعدل 2.3% في 2009 ثم يعود للنمو بمعدل 2% في 2010.

وبالنسبة لجنوب آسيا، فقد شهدت دولها أنكماشا كبيرا في تدفقاتها المالية وهبوطا في نمو الاستثمارات بها. ويتوقع إقليميا أن ينمو الناتج الإجمالي المحلي لديها بمعدل 4.6% في 2009 مقارنة بنسبة 6.1% في 2008. ثم يتوقع لاحقا النمو بنسبة 7% في 2010 و 7.8% في 2011. غير أن التقرير لا يرسم صورة متفائلة للنمو بالإقليم على المدى الطويل نتيجة لتوقعه بمزيد من الضغوطات المالية في حال استطالة مدة الأزمة وزيادة العجز في الموازنات.

أما في افقر اقاليم العالم المسمى بدول جنوب الصحراء بأفريقيا، فقد أفاد التقرير أن الأزمة قد ضربتها بشدة نتيجة لتراجع الطلب الخارجي على صادراتها وتحويلات العاملين بالخارج وعوائد السياحة إضافة إلى الهبوط الحاد في التدفقات المالية وخاصة الاستثمارات الأجنبية المباشرة. ويتوقع أن يتباطء النمو بشدة هذا العام محققا 1% فقط مقارنة بمتوسط 5.7% بالثلاثة أعوام السابقة. ويتوقع أن يعود النمو للارتفاع في عام 2010 بنسبة 3.7%. ويمثل الهبوط الحاد في تحويلات العاملين بالخارج والمعونات الحكومية تهديدا خطيرا للإقليم نتيجة لاعتماد كثير من تلك الدول عليها في سد عجز الموازنات كوسادة اقتصادية ضد الفقر.

وأخيرا في إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ذكر التقرير أنها من أقل الدول تأثرا بالأزمة بصورة مباشرة مقارنة بكل الأقاليم الأخرى، غير أن أسواقها المالية قد عانت بشدة، ويتوقع ان تنخفض تحويلات العاملين بالخارج والصادرات الخدمية والاستثمارات الأجنبية المباشرة من الدول عالية الدخل بالإقليم لتلك منخفضة الدخل ومن أوروبا كذلك لنفس تلك الدول بما سؤثر سلبا على برامج التنمية هذا العام. ويتوقع أن يهبط معدل النمو إلى النصف هذا العام ايضا مسجلا 3.1% ثم يعاود الصعود إلى 3.8% في 2010 ثم 4.6% بحلول 2011، وذلك يرجع جزئيا لسبب أن الأزمة لم تضرب الإقليم بقوة كما حدث في أماكن أخرى.

وفي سياق منفصل بحثت فايزة أبو النجا وزيرة التعاون الدولي في لقاء مع إيمانويل امبي ممثل بعثة البنك الدولي في مصر والشرق الأوسط بعض الملفات الخاصة بمصر وعلاقتها بالبنك حيث وافق البنك على تقديم قرض بقيمة 300 مليون دولار لتمويل مشروع التمويل العقارى منخفض التكاليف لمحدودى الدخل. ويذكر أن محفظة التعاون الحالية مع البنك الدولي تتضمن 15 مشروعا جارى تنفيذها بإجمالى مبلغ 1.753 مليار دولار فى قطاعات الطاقة والبنية الأساسية والصحة والتعليم والقطاع المالى والزراعة والرى منها 12 قرضا من البنك الدولى للإنشاء والتعمير باجمالى مبلغ 584ر1 مليار دولار، و3 قروض ميسرة من هيئة التنمية الدولية باجمالى قيمة 179.4 مليون دولار بالاضافة الى 10 منح بإجمالى قيمة 63.6 مليون دولار.

هذا المقال نشر أولاً في بجريدة البورصة.