دائما ما يتم الحديث عن النمو الاقتصادي في الدول النامية في ظل عناصر محددة وشائعة تتمثل في حجم الاستثمارات الموجهة للقطاعات المختلفة سواءا كانت مبنية على موارد مالية محلية أو استثمارات أجنبية مباشرة أو تحويلات العاملين بالخارج، أو حتى اعتمادا على موارد طبيعية قد رزقت بها هذه البلاد. والغريب أن عنصر الإنتاجية دائما ما ينظر إليه على أنه الغائب الحاضر في مخططات التنمية. والإنتاجية يشار إليها على أنها معيار القياس لمخرجات عمليات الإنتاج لكل وحدة من المدخلات، وهي تحديدا تمثل نسبة ما تم إنتاجه إلى كل ساعة عمالة ووحدة مدخلات في عملية الإنتاج.

وفي ظل غياب أي سياسة لرفع معدلات الإنتاجية تحدث بالفعل عملية النمو المبنية على العناصر الأخرى المذكورة مسبقا، والتي تتحقق عن طريق العمالة الرخيصة ووفرة الموارد الطبيعية وربما بعض التسيب السياسي والبيئي الذي يجذب الكثير من التدفقات الأجنبية. وهذا يمثل بكل بساطة أقسى صور استنزاف الموارد الطبيعية منها والبشرية ناهيك عن تدمير البيئة وزيادة الفجوة الاجتماعية.

والاستثمار في رفع الإنتاجية هو ببساطة استثمار في البشر والتكنولوجيا. فالتنمية البشرية تتمثل أحد أركانها في الاستثمار على التعليم واضح الأهداف والقياسات بغرض النمو المعتمد على الذات من أجل رفع كفائة العامل سواءا كان واقفا على ماكينة أو مهندسا يحاول إيجاد بدائل إنتاجية أفضل. أما الاستثمار في التكنولوجيا فيعتمد بالأساس على الإنفاق على الأبحاث العلمية والتنموية من أجل إيجاد عملية دائمة من التطوير والأسبقية بالإنجاز بما يخلق ميزة تنافسية على المستوى الدولي بما يمثل بدوره موردا اقتصاديا مباشرا وإنجازا تنمويا وبشريا له مردوده الغير مباشر فالخسارة بعد الاستثمار بالإنسان عير واردة. بل على العكس كما حدث في المانيا واليابان اللتان خرجتا مدمرتان اقتصاديا من الحرب، نرى كيف حقق شعباهما معجزة إعادة البناء بناءا على قدراتهم البشرية الناتجة عن الاستثمار فيهم كبشر مسبقا.

والنماذج الأقرب مقارنة بباقي الشعوب النامية هى النموذج السنغافوري. دولة ليست بترولية، كان معظم سكانها من الأميين حتى أواخر الستينات، يسكنون عششا من الصفيح فياتي المد كل عام يدمرها وهكذا كانت حياتهم. أما الآن فسنغافورة هي سنغافورة بكل تقدمها وتميزها الاقتصادي أو كما يطلق عليها مجازا “الدول المتخرجة” أي الدول التي خرجت من مصاف الدول النامية. ومنذ أواخر الستينات اتخذت تلك الدولة إلى جانب العناصر التقليدية للنمو عنصر الإنتاجية كمحورا للتنمية الحقيقية، فوصلت في التسعينات إلى أعلى مدل للإنتاجية في العالم. والمثير للانتباه أن هذا الاهتمام كان يأخذ أشكالا مختلفة للتخطيط فكانت الدولة تنظم المسابقات لأعلى المعدلات الإنتاجية بين قطاعات الصناعة والحديث عنها إعلاميا كهدف قومي، وتوفير ما يلزم من الكوادر الإنتاجية تعليميا بناءا على الحاجة الفعلية للسوق.

بل ومن الملفت للنظر أنه كانت قد جرت دراسة ثبت بعدها أنها غير دقيقة أفادت بأن سنغافورة لم تعد الأعلى إنتاجية في العالم، فسببت تلك أزمة قومية جعلتهم يتحدون العالم من أجل العودة للصدارة وقد شارك فيها الجميع كل في مكان عمله مطورا لأدائه، وقد كانت الحكومة تقدم تقريرا دوريا يبث تليفزيونيا لمتابعة الموقف، وقد حققوا هدفهم بالفعل وتفوقوا على أنفسهم حتى بعد أن ثبت خطأ الدراسة. لكنه في مجتمعات كمجتمعاتنا النامية ذلك النع من النمو دائما ما يتم تجاهله، حتى من منظمات الدعم التنموية التي من دورها أن تدفع باتجاه مثل هذه المخططات، لكن المصالح هي دائما المحرك الساسي حتى بين مدعي نصرة فقراء هذا العالم، فتاريخ التنمية يثبت دائما أن الإنجازات لا يتم استيرادها.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.