دائما ما تتهم الحروب بإغراق الدول المتورطة بها في أزمات اقتصادية نتيجة كثافة الإنفاق العسكري و اقتطاع نسب كبيرة من موازنات تلك الدول لهذا النوع من الاستثمار، و هو اتهام ليس بالضرورة خاطئاً، ولكنه ليس بعيدا كل البعد عن الصحة.

فقد دفع أيزنهاور- رئيس الولايات المتحدة الأسبق- بتحرير قطاع الإنتاج العسكري ودعا إلى دعمه كأحد محاور النمو الاقتصادي مع كثير من التنظيم والرقابة على مثل هذه الصناعة. ربما يكون الجدل هنا على أن دولة كالولايات المتحدة بالطبع لابد أن تستفيد من مثل هذا الاتجاه بناء على كونها دولة عظمى وصاحبة قرار في نزع فتيل الأزمات أو إشعاله كلاعب أساسي في سوق السلاح العالمي، وكذلك دول عظمى أخرى اقتسمت فيما بينها كعكة الصادرات العسكرية لكل المتنازعين.

لكن بعيدا عن سطوة الدول الكبرى في التلاعب بمسارات الحروب من أجل مصالحها الاقتصادية وصادراتها العسكرية المبنية على خلق التوتر بين الشعوب النامية. نجد أن بعض تلك الدول النامية ذاتها استفادت من اقتصاديات الحروب بصورة عادت بالفائدة على شعوبها كما حدث في البرازيل وتشيلي وغيرهما.

فالبرازيل رغم تنوع حكوماتها على مدار الخمسين عاما السابقة، كانت دائما تخصص جزءاً ليس هينا من موازناتها للاستثمارات العسكرية. وهنا ليس بالضرورة أن يكون التركيز على استيراد السلاح أو التكنولوجيا الخاصة بإنتاجه، بل على البحث العلمي العسكري والإنتاجي وكذلك التدريب الفني.

فالبحث في تكنولوجيا الحرب دائما ما يضع الدولة في حالة من السبق بناء على الحاجات الذاتية لتأمين السيادة للدولة على أراضيها والردع المعنوي المسبق ضد الطامعين فيها. ذلك إضافة إلى نقل المهارات والانجازات العلمية إلى القطاعات الصناعية الأخرى التي قد تستفيد بصورة مباشرة أو غير مباشرة من أى تقدم حادث، ناهيك عن إمكانية تصدير تلك التكنولوجيا بأعلى الأسعار إذا ما أرادت.

أما الإنتاج العسكري فيوفر على الدولة الكثير من صفقات استيراد السلاح أو حتى خطوط إنتاجه والتي دائما ماتمثل عبئا اقتصاديا وسياسيا على الدولة المستوردة له لا يدفع ثمنه غير المواطن البسيط دافع الضرائب نتيجة الكلفة العالية أو التنازلات المقدمة من اجل موافقة الدولة الأخرى المصنعة له.

وأخيرا نأتي إلى مرحلة الإنفاق على التدريب الفني من أجل توفير الكوادر القادرة على التعامل مع التكنولوجيا الجديدة، والتي بالطبع تحقق هدفا أمنيا مبدئيا وبديهيا.
والاستفادة الأكبر هنا وغير المباشرة تتمثل في خروج هذا الفرد المدرب على استخدام التكنولوجيا العالية بعد إنهاء الخدمة العسكرية إلى معترك الحياة المدنية ناقلا كل خبراته ومهاراته كعضو عامل ومنتج في أى من القطاعات الاقتصادية الأخرى التي حتما ما ستستفيد منه اقتصاديا فيما يسمى Technology Spillover أو انتشار التكنولوجيا.

فبالطبع هنالك فرق كبير بين خريج كلية الهندسة في البرازيل الذي عمل على إضافة بعض التعديلات على قطعة عسكرية ما أثناء خدمته العسكرية، وخريج نفس التخصص في مصر الذي يتم استثمار قدراته العلمية في تقديم “الجاتوه” لمعازيم أحد أفراح نوادي الجيش بمدينة نصر.

غير أن الدول النامية في معظمها والعربية منها خاصة وقعت فيما أسماه بعض الاقتصاديين Security Dilemma أو “ورطة الأمن”، فبعد أن شرعت بعض الأنظمة العربية في هذا النوع من الاستثمار، وفي ظل وجود أزمة ثقة ضاربة بقوة في جدار مشروعات الوحدة العربية الشكلية، لجأ الكتير من تلك الدول إلى الارتماء في أحضان المصدرين الكبار للسلاح والتكنولوجيا الخاصة به كبديل سريع لم ينتج عنه سوى عجز الموازنات واتساع الفرقة بين الأشقاء والمزيد من الفقر والتخلف وكومة من الأسلحة يصعب حتى بيعها على أنها خردة بعد أن أصابها الصدأ الناتج عن عدم استخدامها.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.