في ظل اهتمام الرأي العام بتطورات الأزمة العالمية والمتابعة المكثفة مؤخرا لبيانات البنك المركزي المصري ووزارة المالية وغيرها من التقارير الإحصائية والمالية، وفي ضوء وجود قطاع ضخم من اقتصاد الظل بمصر، عاد من جديد التساؤل عن مدى صحة الأرقام ودقتها في هذا الوقت الحساس من مسيرة الإصلاح الاقتصادي وتحديات الأزمة. ومن هنا جاءت أهمية اللجوء إلى المرجعيات العلمية الاقتصادية في مصر والتي منها د.هناء خير الدين مدير المركز المصري للدراسات الاقتصادية والرئيس السابق لقسم الاقتصاد بجامعة القاهرة وصاحبة الكثير من المناصب العلمية الرفيعة الأخرى إضافة إلى عضويتها السابقة لمجلس الشورى.

وقد قامت خير الدين بتقديم لنشاط المركز ونشأته في بداية التسعينات والدرجة العالية من الاستقلالية عن الحكومة أو حتى مجموعة الأعضاء الممثلين للقطاع الخاص به. فالمركز يقدم الكثير من الأبحاث الاقتصادية في كافة القطاعات على مدار العام وعلى حسب ما يستجد من أحداث كما حدث منذ بداية الأزمة، إضافة إلى الإصدار الدوري للتقرير السياسي السنوي الذي ينشره المركز. وقد قامت “البورصة” بفتح هذا الحوار مع د. هناء خير الدين بقائمة من الأسئلة المتعلقة بعدة قضايا متعلقة بمشكلة تشوش المؤشرات الاقتصادية في القطاعات المختلفة، وقضايا أخرى كالأزمة والدعم وتطوير الأوقاف والشفافية وغيرها من الموضوعات الحرجة.

وفي سؤال لها عن تصورها العام لقضية التشوش الحادث في المؤشرات الاقتصادية في مصر، أجابت خير الدين “طول عمرها كده! والتشوش موجود في كثير من القطاعات الاقتصادية”. وأضافت أن الأغنياء على سبيل المثال يحصلون على نسبة من الدعم تماما مثل الفقراء، والموضوع ليس قاصرا على مشكلات الدعم الغذائي فقط، فالمنتجات البترولية كالبنزين دائما ما يستفيد الأغنياء من الدعم عليها أكثر من الفقراء، وغالبا ما يذهب للصناعات كثيفة رأس المال وليس إلى كثيفة العمالة كما يفترض أن يكون. ومثل هذا التشوش في توجيه الدعم يرسخ الكثير من القيم والممارسات الاقتصادية الخطيرة.

أما بالنسبة لما يقدمه المركز تحديدا من أجل علاج هذه المشاكل فيما يخص قضايا التشوش، فقد أوضحت فيما يخص سوق العمل على سبيل المثال أن المركز لديه الكثير من الدراسات الخاصة بهذا المحور وكيفية إصلاح نظام الأجور في الحكومة والممارسات الغير عادلة من قبل القطاع الخاص. وإصلاح هذا التشوش يجب أن يبدأ من الحكومة حيث مازال الحد الأدنى للأجور متوقفا عند 53 جنيه في الشهر وهو حد غيير منطقي. وعلى الحكومة التوقف عن التعيينات الشكلية الهادفة إلى خفض نسب البطالة والنظر بجدية إلى كفاءة الموظفين وعدالة أجورهم. وعندها سيتبع هذا الإصلاح دخول القطاع الخاص في نفس السياسة الإصلاحية بناءا على مقومات العرض والطلب في سوق العمل.

وبالنسبة لتشوش سوق السلع فقد أقرت د. خير الدين أنه يعاني من كثير من الممارسات الاحتكارية في شبكات التوزيع سواء الجملة منها أو التجزئة. والإصلاح هنا يجب أن يكون عن طريق الإعلان عن بنود التكاليف الإنتاجية وأن تكون الأسعار السائدة في السوق معروفة للجميع كما يحدث حتى في الدول ذات اقتصاديات السوق الحر كاليابان والهند على سبيل المثال، واللتان تعلنان دائما للمستهلكين عن تلك البيانات. وكذلك تفعيل دور المجتمع المدني وجمعيات حماية المستهلك لرفع الوعي لديه للمطالبة بحقوقه. وأكدت من جديد على أهمية دور الحكومة في وصول الدعم لمستحقيه والذي أدى ضعفه إلى نشوء طبقات طفبلية تعيش على استغلاله.

وتعتبر د. هناء أن سوق العملات الأجنبية مستقرا، وأن تدخل البنك المركزي يعد في الحد المسموح به في الشراء والبيع بدرجة معقولة، والفرق بين أسعار العملات الأجنبية بالبنوك مقارنة بالسوق السوداء يعد محدودا. غير أن البنك المركزي دائما ما يربط الجنيه المصري بالدولار الأمريكي وهو دائما واضعا عينه عليه، وربما يكون ربطه بعملات أجنبية أخرى أفضل.

وفيما يخص تشوش قيمة الناتج الإجمالي المحلي أقرت هي أن فيه تشوش كبير، حيث تعتقد أنه يعاني من انتقاص في التقدير بناءا على صعوبة رصد الأنشطة غير الرسمية (اقتصاد الظل). وقد يتضح ذلك من متابعة الأنماط الاستهلاكية للفرد المصري حتى في المجتمعات الفقيرة، وهذا لا ينفي وجود مشكلات الفقر، غير أنه يؤكد على عدم دقة تقديرات الناتج الإجمالى المحلي.

وعن سؤال ل د. هناء خير الدين عن كيفية قيام المركز بدفع قضايا اقتصادية معينة على الساحة وماهي آليات ذلك، أجابت بأن المركز يقوم بتوزيع كافة الأبحاث والإصدارات الخاصة به على مستوى واسع سواءا كان رسميا أوغير رسميا، كالهيئات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات ووسائل الإعلام. غير أنها أضافت أنه لا توجد للمركز أي توصيات ملزمة سوى الواجب الوطني، فسمعة المركز وموضوعيته وعدم ميله لأية جهة محددة على حد رايها يدفع الحكومة للإطلال على رأي المركز.

وانتقالا لموضوع آخر مرتبطا بقضية الأزمة العالمية وما إذا كان المركز قد قدم أي أبحاث جديدة أو توصيات تخص الأزمة الحالية. أجابت “نعم! فقد قام المركز بتقديم ورقة عمل في ندوة خاصة في بداية الأزمة، وكان ذلك في أكتوبر 2008 واستضاف شخصيات اقتصادية عالمية شهدت في آخر الندوة بقدرة المركز على التنبؤ بالأزمات الاقتصادية. هذا إضافة إلى النشرة السياسية التي يصدرها المركز دوريا والتي تحدثت عن الأزمة أيضا وكلاهما قد تم نشره وتوزيعه مع بداية هذا العام”.

أما عن اهتمام المركز مؤخرا بقضية الوقف، فقد أوضحت أن إعادة صياغة مفهوم الوقف قد تكون فكرة جيدة من أجل ممارسة المسؤولية الاجتماعية في إطار مؤسسي. فالأوقاف لم يتم تطويرها منذ عهد الثورة، مع العلم بأنها كانت قديما تلعب دورا كبيرا في التكافل الاجتماعي ومساعدة الفقراء حتى بعد مرور فترات طويلة على وفاة أصحاب الأوقاف. وأضافت أنها تعتقد أن عودة فكرة الوقف بطريقة متطورة قد تكون حلا جيدا في محاربة الفقر بصورة أكثر فاعلية من المفهوم الحالي للمسؤولية الاجتماعية.

وفي سؤال أخر لها عن اتجاه الاستثمار في التعليم سواءا على مستوى الحكومة أو القطاع الخاص، فقد أجابت “بالنسبة للحكومة أرى أنها تضع استثماراتها التعليمية في المباني وليس المناهج أو المدرسين، وكثير من هذه الموارد تهدر على إدارات متضخمة بالموظفين في صورة تبدو فاقدة التركيز. أما القطاع الخاص فيستثمر بالتعليم بغرص التربح المبالغ فيه، وليست هذه هي الطريقة التي يجب أن يكون عليها هذا النوع من الاستثمار، حيث يجب أن تكون غير ساعية للربح وأن توجه المصروفات الدراسية لرفع جودة المؤسسة التعليمية واستمرارها في تقديم الخدمة”.

وعن مدى الشفافية الاقتصادية في مصر وكيفة ترسيخها، أكدت د. خير الدين أن نشر المعلومات الاقتصادية في مصر غير كافي وكذلك توزيعه على الباحثين غير كافي أيضا، وكثير ما تكون التقارير غير واضحة في محتواها أو كيفية العمل عليها كما يحدث أحيانا مع تقارير البنك المركزي الذي لا يفصح عن كل الأرقام وكذلك غيره من المؤسسات. وأضافت أن الحل يكمن في إصدار قانون يفرض على المؤسسات نشر المعلومات الاقتصادية وإتاحتها للاطلاع والبحث.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.