في أي من بلاد الله دائما ما يعانى الغريب أو الزائر من عدة مشاكل تتلخص في كونه لا يملك نفس حقوق ابن البلد، وخاصة ما إذا كان هنالك أي نوع من البطالة حيث تزداد التعقيدات والعقبات على الأجنبي من أجل صالح المواطن. أما في مصر فالوضع يبدو مقلوبا كعادة معظم البديهيات المشوشة الأخرى، فالأجنبي له من الحقوق ما يجعله “مواطنا درجة أولى” على حساب ابن تلك الأرض دائمة المعاناة “كمواطن درجة ثانية” وخاصة إن كان من أحد الجنسيات السيادية كالاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة.
صحيح أن الوضع التعليمي وكفاءة الكثير من خريجي الجامعات هي محل تساؤل، غير أن تلك البلد مازالت مليئة بالملايين من الكفاءات القادرة على شق طريقها المهني إذا ما توفرت لهم الفرصة. ربما يكون من المنطقي أن يعمل الأجنبي بمصر فقط في أحد التخصصات عالية الدقة العلمية الغير متوفرة بسوق العمل المحلي، لكن أن يأتي من بلاده لينافس حتى على وظائف السكرتارية والترجمة والمهام الإدارية البسيطة فهذا حقا أمر فيه كثير من التهاون في أبسط حقوق المواطن البسيط بحماية رزقه. ولنضرب مثلا بمواطن أمريكي أو أوروبي يأتي بطائرة من بلاده بدون تأشيرة دخول بناءا على مجرد قرار فردي لم يستأذن فيه أحد. يصل إلى مطار القاهرة فيختم جواز سفره مباشرة بشهر للسياحة، أمر مقبول نسبيا ربما لتشجيع هذا القطاع الهام. غير أن كونه يذهب إلى مجمع التحرير فيجدد تأشيرته بستة أشهر بدون أي شرط وفي عدة دقائق بتكلفة لا تتعدى الخمسون جنيها، مع إمكانية تكرار ذلك لعدد لا نهائي من المرات تصل ببعضهم للإقامة بمصر لسنوات وسنوات “كسياح”.
ألم يسأل أي مسؤول كيف يعيش هؤلاء السياح لسنوات في مصر، ألم يسأل من أين ينفقون على متطلبات حياتهم ذات مستوى المعيشة المرتفع خلال إقامتهم، ألا يستغرب أحدهم أن أعواما من السياحة في بلد واحد يعتبر أمرا غير منطقيا! يبدو أن أحدا لا يهتم، يبدو أنهم لايعرفون أنهم هنا للعمل وبالآلاف، ليس في التخصصات المميزة فقط بل حتى في أبسطها، كأن تجد فرنسيا يعمل بالمنظمة الدولية للهجرة يترجم المقابلات من العربية إلى الإنجليزية ويتقاضى 1200 دولار شهريا على الرغم من عدم إجادته التامة لكلا اللغتين. أعتقد أنه لو أن صاحب قرار تعيين هذا الفرنسي بتلك المنظمة قد أغمض عينيه واختار أي جامعي “من الشارع” لأدى الوظيفة بشكل أفضل فهو على الأقل يجيد لغته الأم، وستتغير حياته لو أخذ 1200 جنيها شهريا وليس دولارا، وعندها سيصبح مواطنا فاعلا وصالحا في وطنه.
أما الفرنسي “السائح” أو غيره من الأجانب، فلا يدفع ضرائبا على الدخل حيث أنه قانونيا لايعمل، هو هنا فقط “عشقا في المحروسة”، بل هو أيضا يشارك المواطنين في الخدمات الحكومية المختلفة، حتى المدعومة منها. ليس ذلك فحسب “فالباشا السائح” تسهر أعين الأمن على حمايته من خطر أبناء الوطن حفاظا على السياحة وصورة مصر الدولية. وهذه صورة دائمة التكرار ولا أعتقد أنها سرية فالجميع يعرف أنهم هنا من أجل العمل ومشاركة المواطنين في أرزاقهم وسط تحيز صارخ من الكثير من الشركات الأجنبية والمنظمات الغير حكومية وهم فعلا بالآلاف في مصر، وهم يعمدون إلى تعيين الأجانب حتى في أتفه الوظائف، وإن حدث وتم تعيين مصريا حتى وفي نفس الوظيفة فراتبه لا يمكن أن يتساوى مع الأجنبي وربما يصل إلى ما دون الربع في صورة أقل ما توصف به أنها عنصرية تمارسها أقلية أجنبية ضد أصحاب الأرض.
وقد ازدادت تلك الظاهرة خلال الأزمة العالمية الحالية مع ارتفاع معدلات البطالة بتلك الدول الكبرى، حيث يأتي الكثير منهم كسائحين من أجل البحث عن فرصة عمل في مصر وكأنها بلد لا تعرف البطالة. أما عندهم وربما حتى في نفس المنظمات العاملة في مصر والتي تعيين الأجانب على أرضها كمنظمة “أوكسفام للتنمية” على سبيل المثال، فهي ترفض تعيين غير البريطانيين بمكتبها بلندن حتى في وظائف قد تخص بعض القضايا المصرية حفاظا على حقوق العمالة المحلية هناك في بلاد تعامل ابنها “كمواطن درجة أولى” على العكس تاما من بلاد أخرى تعامل ابنها “كمواطن درجة ثانية” متجاهلة لحقوقه في سوق العمل.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.