تعلم الأمريكان درسا قاسيا في ظل الكساد العظيم بثلاثينيات القرن الماضي، بعد أن كانت البنوك الفيدرالية على درجة عالية من الشفافية مع عامة الشعب. ممارسة نبيلة أتت في صميم مبادئ الراسمالية الكلاسيكية المبنية على عودة الاتزان الحتمي للسوق دون أى تدخل، والذي لم يحدث سوى داخل الكتب النظرية. كان البنك دائما ما يشارك العامة في كل التطورات الحادثة في النظام النقدييوما بيوم معلنا حتى عما سيتم اتخاذه من قرارات باعتبار أن الشعب من حقه معرفة ذلك وقد كان على حق.
غير أن هذا التصرف الساذج لم يجلب لهم غير المزيد من الانهيار والتعقيد في الأزمة بناء على السلوك الفردي للأشخاص خوفا على مدخراتهم أو ممتلكاتهم، فكلما أعلنت الحكومة عن خطة إصلاح نقدي زاد ذلك الطين بلة.
ظهرت نظرية “Misperception” أو ماقد نسميها مجازا نظرية “عدم الفهم” والتي تعتمد في جوهرها على تضليل العامة فيما يخص مخططات البنك الفيدرالي النقدية دون ما يضر بمصالحهم بالطبع، ويؤكد أولوية الصالح العام. فعلى سبيل المثال عندما يقوم البنك بطرح أو سحب أذونات خزانة من السوق يستبق ذلك بشائعات توحي بعكس مثل هذا التصرف من أجل الاستفادة إما بزيادة الطلب عليها في حالة الرغبة في البيع أو زيادة العرض في حالة الشراء بما يفيد الاقتصاد القومي في كلتا الحالتين.
وهذا النوع من السرية وتعمد إبقاء العامة في حتالة عدم فهم نسبي أصبح ممارسة معتادة بالولايات المتحدة وكثير من الدول، فالمفترض بديهيا أن من يفهم الاقتصاد جيدا قلة قليلة.
أما في الأزمة الحالية وعلى الصعيد المصري بعد أن امتدح البنك الدولي أداء النظام النقدي المصري ووصفه بأنه الأكثر قدرة على المواجهة والخروج من الأزمة نتيجة ممارساته السابقة لها والتي لم تختلف عن تلك النظرية، والتي في نفس الوقت كانت تجابه بكثير من الرفض والانتقاد من نفس البنك الدولي والذي كان دائما يضغط باتجاه التحرير والشفافية النقدية في ظل مبادئ الشرطية في الإصلاح الاقتصادي المبني على الاقتراض من تلك المؤسسات الدولية الكبرى و التي أثبتت جميعها الفشل.
لكن هل كان البنك المركزي المصري حقا يتبع تلك النظرية أو حتى أى نظرية تتعمد إخفاء المعلومات أو توضيح السياسات النقدية أو الإصرار على رفض التحرير الكامل للنظام النقدي من أجل الصالح العام؟… أم أنه ببساطة لم يكن لدى البنك القدرة الاقتصادية العلمية أو الموارد البشرية ذات الخبرة في إدارة مثل هذا النوع من الأنظمة عالية الديناميكية المعتمدة على نوع متقدم من التكنولوجيا من أجل تدفق المعلومات وسط منظومة الاقتصاد العالمي؟!
يبدو أنه لم يكن يستطيع، وربما أيضا كان ذلك جزءا لا يتجزأ من النظام السياسي العام المؤيد لمبدأ “لاتفصح، لا توضح، نفذ فقط” كأى مؤسسةحكومية أخرى.
غير أن الأزمة أثبتت أن مصر فعلا “محروسة” حتى في إصرارها على الخطأ، فيأتي اليوم أيثبت للجميع أن خطأها كان صوابا بل يمتدحه الجميع في زمن لم يعد يعرف فيه اقتصاديا الصواب من الخطأ.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.