“الحصان السريع يا برنس”

كان هذا جواب سائق التاكسي الأبيض الجديد عند سؤالي عن سبب ارتفاع الأجرة. فالحقيقة أن هنالك الكثير من أمثالي في غاية السعادة بذلك المشروع الجديد الذي يوفر الكثير من الطاقة المهدرة في الجدل والمشاجرة مع سائقي التاكسي القديم المعتادين على الكذب و الفهلوة، وبالفعل أصبحت ظاهرة ملموسة لدى الكثيرين ان تجد من يقف على جانب الطريق متجاهلا العديد من التاكسيات السوداء المارة في انتظار التاكسي الأبيض الجديد احتراما للمشروع وحضاريته ’لراحة الدماغ’

انتظرت لأكثر من ربع ساعة حتى جاء التاكسي المرتقب الأبيض الأنيق مع أحد الأصدقاء للتوجه من ميدان التحرير إلى العجوزة حيث يسكن، وعند وصولنا بعد عدة دقائق كانت قراءة العداد ستة عشر جنيها، فتعجب صديقي وأخبرني بأن الأجرة دائما ماتكوم بين خمسة وستة جنيهات. سألت السائق عن إن كان قد بدأ الحساب فور ركوبنا معه أم قبل ذلك، فأجابني: طبعا لما ركبت ياباشا.

فسألته إذن لماذا احتسب العداد أكثر من ضعف المبلغ؟ فأجاب بابتسامة صفراء كأسنانه: والله ماعرفش يمكن بيتهيألك إنك دفعت أقل قبل كدة؟ أصل ده الحصان السريع يابرنس، مظهرا المزيد من أسنانه الصفراء.

قررت عدم مواصلة الحوار وألقيت بالأجرة في وجهه، فتعالت ضحكته وتحرك بالتاكسي بنشوة المنتصر، أخذت رقم السيارة وقررت تلقينه درسا لن ينساسه من أجل ألا يسيء إلى باقي السائقين المحترمين في هذا المشروه الحضاري فأخبرني صديقي بأن ذلك السلوك أصبح عاديا، حيث حدث من قبل أن قرأ له العداد خمسة وأربعين جنيها من التحرير إلى العباسية التي دائما مايدفع لها خمسة عشر جنيها. فأصررت على اتخاذ موقف. لم يخطر ببالي سوى جكعية حماية المستهلك.

فأصررت على اتخاذ موقف. لم يخطر ببالي سوى جكعية حماية المستهلك.

أوقفت تاكسيا أبيض آخر وتحركت باتجاه جاردن سيتي وهى تقريبا ضعف المسافة، فقرأ العداد خمسة جنيهات وخمسة وسبعين قرشا. ففضفضت إلى السائق المحترم عما حدث لكلينا، ومدى إحباطي من التلاعب الحادث فأخبرني أن هنالك الآن متخصصين ذوي مهارات إليكترونية عالية في هذا النوع من العدادات لديهم القدرة في التلاعب بأى شيء، وقد بدأت تلك الظاهرةة في الانتشار، ثم عقب: “لكن الحرام مابيدومش ياباشا وربنا كبير”.

ونعم بالله! لكنني أبيت أن أكون سلبيا وقررت الاتصال بجمعية حماية المستهلك التي يفخر بها النظام الاقتصادي الرسمي، والتي لم يعلمني أحد من هم؟ أين يتواجدون؟ كيف أتواصل معهم؟

المهم، اتصلت بدليل المصرية للاتصالات للاستعلام عن رقم الجمعية، وسمعت مرارا وتكرارا ” اتكلم أرضي يابن بلدي” وكأني بتكلم سماوي. والحقيقة أنهم كثيرا ما يردون مع قليل من الصبر، لكن هذه المرة كانت أطول من أن أحتملأن أعطل مصالحي، وكأنهم متواطئون مع سائق التاكسي ذي الابتسامة الصفراء. وكأن تلك المنظومة العبثية الاقتصادية كلها معتمدة على شغل الثلاث ورقات ومتاهات إضاعة الحقوق والإصرار على الرضا بالأمر الواقع.

فآثرت الإيمان بأن ربنا كبير وأن الحرام مابيدومش “ياباشا” وشربت من نهر السلبية من أجل التوافق مع المعتاد مؤمنا بأن “هى دي مصر ياعبلة”.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.