لاشك أن هناك نوع من التطوير والتغيير يتم مشاهدته على شاشات التليفزيون المصري الرسمية. وهو تحرك تم التأخر في الشروع فيه بعد عقود من الجمود الفكري والمؤسسي على المستويين الإعلامي من ناحية والاقتصادي من ناحية أخرى. غير أن المتعمق في تفاصيل الحياة اليومية بمبنى التليفزيون بماسبيرو لا يجد غير أن هذا التطور محصور فقط فيما يشاهده المواطن على الشاشة، وهو تطور فاقد للنضج على أي حال. أما التليفزيون كمؤسسة فهو مغيب تماما عن أبسط مفاهيم الإدارة الاقتصادية لذلك الإرث الحكومي الثقيل.
إن المحظوظين ممن يسمح لهم بدخول مبنى التليفزيون وخاصة في المرة الأولى، يهيأ لهم أنهم أمام أحد ثكنات وزارة الداخلية. يسالك الأمن إنت تبع إيه؟ وجاي لمين؟ معاك تصريح بالزيارة؟ وإذا لم يكن لديك وقررت انتظار مضيفك أمام المبنى للنزول وحل المشكلة، يأتيك آخر ويسألك مرة أخرى إنت تبع إيه؟ ويأمرك بالذهاب بعيدا وكأنك أمام قصر القبة.
وعندما تحل المشكلة وتدخل “المبنى العريق” تتغير فكرتك تماما وتضيع كل الهيبة المرسومة من الخارج. فلا تجد نفسك سوى داخل نسخة من مجمع التحرير. أفواج وأفواج من البشر يسيرون بكل الاتجاهات وطوابير طويلة أمام مصاعد معطلة ورائحة “الفنيك” تتعبأ بها طرقات بعض الطوابق في أوقات النظافة وكأن المبنى عنده “جرب”.
والملفت للانتباه أن العاملين بالتليفزيون يشتركون مع أقرانهم من العاملين بمجمع التحرير بنفس السلوك البيروقراطي والهمجي والغير واعي أو مدرك بحساسية وظائفهم واختلاف مؤسستهم عن المجمع. ربما يظهر بعض الفاتنات بطبقة من المساحيق على الشاشات مقنعة بعض البسطاء برقي المؤسسة، غير أن الحقيقة لا تخرج عن كونها ديكورات خارجية.
إما إذا كانت لديك مستحقات ما لدى تلك المؤسسة، فأنت بالضبط تقف أمام “أعتق” أنظمة الحسابات والسجلات التي لا ينقصها من الديكور سوى بعض الفئران، غير أن مفعول “الفنيك” لا يسمح بظهورها والحمد لله. فالسجلات والبيانات دائما موجودة، أما استخراج المعلومة وطلب الحقوق هو التحدي الأكبر فالمؤسسة عملاقة بصورة تشبه ديناصورا في حالة احتضار.
تتحدث تقارير وتقارير عن الملايين من الخسائر ولا تتفق في القيم ولا الأرقام. غير أنك ربما تتعاطف مع المؤسسة عندما تخرج بوعد بدفع المستحقات بعد التأكد من الحسابات ربما بعد شهر، فترى أفواجا وأفواجا من نفس البشر تخرج من المبنى بعد انتهاء اوقات العمل وكأنه يوم الحشر.
فتدعو الله أن يكون في عون إدارة ذلك الديناصور الحجري المدفوع بقوة سبعة وثلاثون ألف موظف تحمل السيدات منهم حقائبا تشبه نفس حقائب الخضار الذي تقطعه موظفات المجمع اللاتي يجئن فقط من أجل تمضية الوقت في وظيفة حكومية. ويحمل الرجال منهم عدة جرائد ربما للتسالي، غير أن “الظلم حرام” فربما أيضا يقرأونها من أجل الإلمام بما يجري من حولهم كأحد أبسط ضرورياتهم الوظيفية كإعلاميين.
ولكنني لاأنسى دردشتي مع أحد المخرجين الإخباريين منذ عدة اشهر عندما تم الإفراج عن مصور قناة الجزيرة الشهير من معتقل جوانتانامو بعد أن تصدرت قصته ربما كل صفحات الجرائد العربية والدولية وشاشات العالم بكل اللغات حين ذاك ومحتى قبلها بعدة سنوات سبقت إطلاق صراحه. فسالته: لماذا لم يغطي التليفزيون المصري حتى الآن خبر الإفراج عن سامي الحاج؟ فأجاب باستغراب: مين الحاج ده؟! فعلمت حينها أن تلك الصحف التي يحملونها لا تخرج عن كونها مصدرا مهما للكلمات المتقاطعة والسودوكو.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.