بعد مؤتمر اليورومني أحد أهم المؤتمرات الاقتصادية التي تقام بمصر والذي يلقي اهتماما واسعا من كل من الحكومة والمستثمرين المصريين منهم والأجانب وكذلك الإعلام المحلي والعالمي. وأمام هذا الحشد الكبير من الأركان التي يقوم النظام عليها وفي مواجهة تلك النافذة الإعلامية الكبيرة، صرح الدكتور محمود محيي الدين وزير الاستثمار بأنه قد حان الوقت للتعامل بسياسة “التريكل داون” Trickle Down والتي لم يعرفها معظم الحاضرين وبدأو بالاستفسار عنها بعد انتهاء كلمته.

والغريب أن التريكل داون حتى الآن لم يجد طريقه بعد للترجمة العربية، فالقلة الاقتصادية التي تعرفه جيدا يتناولونه بنفس مسماه باللغة الإنجليزية. أما القواميس فلا تترجمه إلا بكلمة واحد يعتقد أنها لن تجد سوى استياء العامة من المصريين، وهي “التقطير”.

وإذا نظرنا سريعا لمفهوم التريكل داون فنجد أنه يعني تمرير الفوائد والثمار الاقتصادية التي يجنيها كبار المستثمرين إلى الصغار منهم والمستهلكين كذلك من شرائح المجتمع الدنيا. وقد ظهر هذا الاتجاه بصورة محدودة بعد الكساد العظيم أواخر العشرينات، ثم عاد بصورة أقوى مع التجربة اللاتينية للنمو الاقتصادي. فقد حققت البرازيل نموا تعدى 7% عدة سنوات متتالية فيالستينات والسبعينات مما دعى البعض تسميتها قائدة العالم النامي، غير أنه وعلى أرض الواقع ظل الفقر كما هو بصورته اللاإنسانية حتى وقتنا هذا.

وقد دعى ذلك الاقتصاديين أن يغيروا وجهة نظرهم عن مفهوم التنمية المرتبطة بالنمو الاقتصادي الذي أثبت فشله وقتها، وأن يتجهوا ألى مفهوم أحدث وأعمق مبني على التنمية البشرية بصورة عامة يكون النمو الاقتصادي فيه فقط أحد العوامل وليس كلها داعين إلى إعادة توزيع عوائد الاستثمار في صورة مختلفة تخدم الطبقات الدنيا.

وقد أكد الوزير المصري متفقا مع نفس المبدأ أنه قد حان الوقت لتفعيل تلك السياسة من خلال تمرير الثمار الاقتصادية للنمو الذي تشهده البلاد للمواطنين من خلال زيادة الاستثمار في مشروعات البنية التحتية، وتنمية سوق العمل وخلق المزيد من الوظائف، والتأكيد على مبدأ المنافسة السليمة لصغار المستثمرين.

وقد أكد محيي الدين في كلمته كذلك على أهمية علاقة تلك السياسة بخطة الحكومة الجديدة للشراكة مع القطاع الخاص PPP من أجل الاستثمار فى البنية التحتية والتي يوجه جانب كبير منها للمحافظات ضمن نية الحكومة بتفعيل مبدأ اللامركزية الاقتصادية وتوفير المزيد من الخدمات وبصورة أفضل.

ومجمل القول أن تلك السياسة إن طبقت، يعتقد فعلا أنها ستكون المخرج من تلك الأزمة الضاربة بقوة في المجتمع المصري التي توسع الهوة يواما بعد يوم بين طبقاته، أوبمعنى أكثر صراحة، طبقتيه العليا والدنيا حيث تآكلت الطبقة الوسطى بفعل السياسات الاقتصادية السابقة.

إن ذكر هذا المصطلح المجهول محليا ربما يعيد بعضا من الأمل في تغيير الصورة الاقتصادية القاتمة للطبقة الأكبر من المصريين الغارقين في الفقر. غير أن التطبيق في حد ذاته يترتب عليه الكثير من التحديات التي يتوقع أن تواجه الحكومة داخليا على يد كبار المستثمرين ذوي السياسات الاحتكارية وكذلك المنظمات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد التي عادة لا تشجع مثل تلك التدخلات الحكومية. ويبقى أول تحدي يجب أن تنجح فيه الحكومة هو إرسال طلب عاجل لمجمع اللغة العربية لإيجاد ترجمة لهذا المصطلح يقبلها المجتمع، حيث أن كلمة “التقطير” لن تذكر المصريين سوى بأعوام عجاف لم “يقطر” فيها المطر وهم غير مستعدون لمزيد من هذا الجفاف.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.