في إطار استراتيجية جديدة تتبناها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، يبدو أن الحكومات الأوروبية أصبحت أكثر استعدادًا للعب دور أوسع في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويتجلى ذلك في التحليل المتعمق للاقتصاد المصري، الذي قُدِّم خلال المؤتمر التعريفي للمنظمة، بعنوان «استراتيجية تطوير مناخ الأعمال في مصر»، والذي يُعد تمهيدًا لانخراط إقليمي أوسع.

وقد استضافت وزارة الاستثمار هذا المؤتمر، وافتتحه وزير الاستثمار المصري، الدكتور محمود محيي الدين، بهدف الترويج للاقتصاد المصري مع تسليط الضوء على المجالات العاجلة التي تتطلب تطويرًا.

وشهد المؤتمر حضور أكثر من 270 من مديري الشركات المصرية والأجنبية، وممثلين رسميين من 15 دولة تتعاون ضمن برنامج الاستثمار الخاص بمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وسفراء من دول أعضاء في المنظمة، إضافة إلى ممثلين عن منظمات دولية وإقليمية للتنمية تنشط في المنطقة.

وتهدف الاستراتيجية إلى دعم تطوير مناخ الأعمال في دول مختارة – بدءًا بمصر والمغرب – لتعزيز التنافسية ومعدلات النمو، من خلال تقييم السياسات الحكومية وتقديم المشورة بشأن الإصلاحات الهادفة إلى تحسين بيئة الاستثمار.

وفي كلمته، أكد محيي الدين التزام مصر بسياسات الإصلاح رغم الأزمة الاقتصادية العالمية، مشددًا على تركيز الحكومة على اتخاذ قرارات تدعم خلق بيئة استثمارية أكثر جذبًا، وتُسهم في توفير فرص العمل.

وظل قطاع البنية التحتية على رأس الأولويات، حيث أشار محيي الدين إلى أن توجيه الاستثمارات إلى هذا القطاع من شأنه أن يُهيئ مناخًا مناسبًا لجذب المزيد من الاستثمارات. كما تطرق إلى مبادرات تحسين جودة التعليم والتدريب، بالتعاون مع دول الاتحاد الأوروبي، من بينها إيفاد طلاب إلى جامعات أوروبية، وتوفير تدريب مهني في مجالات إنتاجية متنوعة.

وأوضح أن تسريع وتيرة الإصلاح هو الهدف الأساسي من استراتيجية تطوير مناخ الأعمال، بغرض تعزيز معدلات التنمية والتوظيف والتنافسية. وستُنفذ الاستراتيجية على ثلاث مراحل: أولًا، تقييم مكامن القوة والضعف في البيئة الحالية للأعمال؛ وثانيًا، تحديد القطاعات ذات الأولوية في الدعم؛ وأخيرًا، تقديم المساعدة الفنية اللازمة لتصميم وتنفيذ الإصلاحات.
وسيُجرى تنسيق هذه الجهود مع الوزارات المعنية، وهيئات المعونة، والمنظمات الدولية، والغرف التجارية، ودوائر الأعمال، وجمعيات المستثمرين.

وخلال كلمته، استعرض محيي الدين أيضًا ما تحقق من إنجازات اقتصادية، منها إدارة الحكومة للأزمة الاقتصادية مع الحفاظ على النمو. وأشار إلى أن مصر حققت معدل نمو بلغ 4.7% خلال الأزمة، واحتفظت بمكانتها ضمن قائمة أفضل عشر دول إصلاحية في العالم، وللعام الرابع على التوالي.

وقد كان للاتحاد الأوروبي حضور بارز في المؤتمر، حيث أكد سفيره، السيد مارك فرانكو، أن التعاون بين مصر والاتحاد ينبغي أن يتجاوز التجارة ليشمل القوانين واللوائح التي تُيسر وصول مصر إلى الأسواق الأوروبية. كما شدد فرانكو على أهمية إشراك القطاع الخاص في صياغة هذه اللوائح.

أما السيد ديفيد كريغ، الذي عُيِّن مؤخرًا مديرًا قطريًا للبنك الدولي في مصر واليمن وجيبوتي، فقد أوضح نية البنك إقامة شراكة طويلة الأمد مع مصر لدعم مسارها الإصلاحي. وركّز بشكل خاص على تطلعات مصر لزيادة الاستثمارات، والنمو، وتوفير فرص العمل، والقضاء على الفقر، إلى جانب تعزيز دور القطاع الخاص، وتطوير دور الدولة كمُنظم للأسواق.

وفي السياق نفسه، أشار السيد أنتوني أو سوليفان، رئيس وحدة تطوير القطاع الخاص في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، إلى أن استراتيجية تطوير مناخ الأعمال تركز على تحديد التحديات وصياغة خطط الإصلاح. ولفت إلى أن النتائج التي عُرضت خلال المؤتمر أخذت في الاعتبار دور القطاع الخاص المصري.

بيئة عمل قطاع الأعمال

انتقل السيد أنتوني أو سوليفان من الكلمات الافتتاحية إلى الجلستين الأولى والثانية في المؤتمر، واللتين ركزتا على الجوانب المختلفة وتقييمات بيئة عمل قطاع الأعمال في مصر.

وكانت سياسات الاستثمار والترويج له أول المواضيع التي طرحها أو سوليفان، مشيرًا إلى أن مصر كانت في عام 2007 أول دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعتمد اللوائح الدولية لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. وقال: «اضطرت مصر إلى اتخاذ إجراءات صعبة لتحقيق هذا الإنجاز».

وبحسب أو سوليفان، أنشأت مصر بعد ذلك نقطة اتصال وطنية للحفاظ على علاقتها بالمنظمة، وتيسير تدفقات الاستثمار، والعمل كوسيط في حالات النزاع. وأضاف: «بالنسبة لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، تُقارن مصر بأسواق ناشئة أخرى مثل روسيا والهند».

أما سياسة الخصخصة ونهج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، فقد قدمهما السيد ألكسندر بومر، رئيس برنامج الاستثمار بمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وقال بومر: «الخصخصة مسألة سياسية ووطنية بامتياز، ولهذا تتبنى الدول أساليب مختلفة في التعامل معها».

ومنذ عام 1999، مرت عملية خصخصة القطاع العام في مصر – والذي كان يوفر أكثر من 40% من فرص العمل – بعدة مراحل، بدأت بنجاح ملحوظ. وبحلول عام 2002، امتدت الخصخصة إلى بيع أسهم الشركات التجارية العامة، وحققت تقدمًا كبيرًا في الفترة ما بين 2005 و2007. غير أن بومر وجه بعض النقد، قائلاً: «هناك نقص في الشفافية والتفاصيل ضمن عملية الخصخصة».

وبخصوص مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص، أشار بومر إلى تقدم مصر في قطاعات مثل الخدمات والنقل والاتصالات، مستشهدًا بمشروعات بناء المطارات والطرق. وأضاف: «في عام 2005، أنشأت الحكومة وحدتين للاستثمار في الشراكات بين القطاعين، واحدة داخل وزارة المالية، والأخرى في وزارة الاستثمار».

سيادة القانون

افتتحت السيدة نيكولا إيلرمان-كاش، كبيرة خبراء مكافحة الفساد في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، الجلسة الثالثة، التي تناولت سيادة القانون في بيئة الأعمال المصرية. وبدأت المناقشة بتناول موضوع الفساد، وهو من أكثر المواضيع حساسية. وقالت إيلرمان: «في مجال مكافحة الفساد، بدأ العالم يتغير قبل نحو 10 إلى 15 عامًا نتيجة تطورات في بيئة الأعمال، إذ تورطت شركات عديدة في فضائح فساد».

وأشادت إيلرمان بمشاركة مصر في عدة مبادرات دولية وشبكات لمكافحة الفساد، لكنها أوضحت أن مصر لا تزال في مرحلة مبكرة، وتحتاج إلى إجراءات أقوى وتحسين في التواصل لتعزيز جهود مكافحة الفساد، خاصة مع صدور تشريعات جديدة.

وطرح السيد بومر موضوع قانون الأعمال وتسوية النزاعات التجارية، موضحًا العلاقة بين الحوكمة المؤسسية ومكافحة الفساد والقطاع الاقتصادي الأوسع، بما في ذلك احتمالات نشوب صراعات.

وأشار بومر إلى أن قانون الأعمال لا يمكن فصله عن القوانين الاجتماعية، خاصة فيما يتعلق بمسائل العمل. وقال: «لقد حدث بعض الاعتراف القانوني بقضايا العمل، لكن التنفيذ لا يزال يمثل تحديًا، خصوصًا في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. ويتميز النظام القضائي المصري بتقدمه في مجال القانون الجنائي، لكن هناك حاجة لتدريب إضافي للنيابات التجارية».

وقبل الانتقال إلى الجلسة التالية، أشاد أو سوليفان ببرنامج مراجعة التشريعات التجارية الذي أطلقته مصر مؤخرًا، واعتبره خطوة إيجابية نحو بيئة أعمال أكثر تطورًا. ويهدف البرنامج إلى تقليص عدد التشريعات القائمة، والبالغة 25 ألف تشريع، إلى النصف، لتبسيط الإطار القانوني.

أسواق عناصر الإنتاج

ومع اقتراب المؤتمر من نهايته، اضطر أو سوليفان لاختتام الجلسة الأخيرة بسرعة، والتي تناولت أسواق عناصر الإنتاج في مصر. وبدأ بتسليط الضوء على سياسة البنية التحتية، خاصة في قطاع الاتصالات، مع التركيز على شركات المحمول. وقال: «تتمتع مصر بخدمات جيدة وبأسعار وطنية تنافسية»، لكنه انتقد في الوقت نفسه ارتفاع أسعار المكالمات الدولية في كل من شبكات المحمول والخطوط الأرضية، حيث تصل التكلفة إلى 0.5 يورو للدقيقة، واصفًا ذلك بأنه عبء على المستثمرين الأجانب.

وفيما يخص رأس المال البشري، حيث يشكل الشباب أكثر من 50% من السكان، أوصى أو سوليفان بضرورة توفير فرص للتدريب في الخارج. وأشار إلى أن مصر تُخصص ميزانية كبيرة للتعليم مقارنة بدول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، إلا أن النتائج لا تزال دون المأمول. وقال: «القضية ليست في زيادة الإنفاق على التعليم، بل في تفكيك المنظومة وفهم أسباب غياب العائد المرجو من هذا الاستثمار».

كما استعرض أو سوليفان تطور قطاع الخدمات المالية منذ عام 2004 ضمن برنامج إصلاح القطاع المالي. ومع ذلك، انتقد تمركز نحو 50% من القطاع المالي في ثلاثة بنوك فقط، معتبرًا أن هذا التركيز مرتفع بشكل غير متوازن. واختتم بالتأكيد على أهمية دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي كانت محورًا رئيسيًا في جميع النقاشات. وأشار إلى أن تسهيل حصول هذه المشاريع على التمويل لا يزال مسألة جوهرية. وقال: «تجميع الخدمات المالية الخاصة بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة تحت مظلة وزارة واحدة بدلًا من خمس وزارات، يمكن أن يُتيح نهجًا أكثر تنسيقًا».

وفي كلمته الختامية، نقل أو سوليفان عن الوزير محيي الدين وصفه للمؤتمر بأنه «المرحلة الأولى»، موضحًا أن هذه المرحلة تُعنى بالتقييم، أما الخطوة التالية فستتمثل في تحديد المشروعات وتنفيذها. وتمثل هذه الوعود توجهًا جديدًا لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تجاه الاقتصاد المصري والمنطقة ككل. واختتم بالقول إن تقرير التقييم المقبل للمنظمة، المقرر صدوره في منتصف نوفمبر، سيُحدد مدى قدرة المنظمة على المساهمة في تشكيل مسار التطورات المقبلة.

هذا المقال نشر أولاً بمجلة جيرمان أراب تريد.