غالبًا ما يصف المؤرخون دمياط بأنها «مركز التجارة العالمي في التاريخ القديم»، وقد كانت كذلك فعلًا، خاصة في العصور اليونانية ثم الفاطمية. ولعب موقعها الجغرافي المميز دورًا محوريًا في تطورها كميناء طبيعي.

فقد كانت السفن المحملة بالبضائع القادمة من مختلف أرجاء العالم القديم تبحث عن ممر آمن عبر نهر النيل، الذي يشطر هذه المدينة الساحلية الغنية بالموارد إلى ضفتين.

ولم تكن دمياط مجرد مركز تجاري مزدهر، بل تحولت إلى مركز لصناعة المراكب بعد فترة وجيزة من الفتح الإسلامي سنة 642 ميلادية، بقيادة عمرو بن العاص، الذي أدرك المزايا الطبيعية التي توفرها المدينة.

وفي بدايات العصر الإسلامي، أصبحت دمياط «ترسانة» الدولة الإسلامية – وهو مصطلح اقتبسه الإيطاليون من «دار الصناعة» – حيث تم بناء الأسطول البحري الإسلامي الناشئ. وعلى مدار قرون، راكمت المدينة خبرات بحرية واسعة، تم تصديرها إلى مختلف أرجاء الإمبراطورية الإسلامية.

واليوم، شهدت المدينة موجات من التحديث، مما جعلها مختلفة بشكل واضح. ومع ذلك، لا تزال هناك زاوية صغيرة تحتفظ بشيء من مجدها القديم، وإن كان ذلك على نطاق أصغر.

قرية كفر حميدو، الواقعة شمال شرق دمياط على الساحل، تُعد اليوم آخر «ترسانة» قائمة في مصر لصناعة المراكب. وعلى الرغم من أن مظهرها يوحي بالبدائية وقلة التطوير، فإنها فعالة بلا شك. إذ تمد القرية أكبر أسطول صيد في مصر، والذي يضم أكثر من 2000 مركب ميكانيكي، تصل رحلات بعضها حتى المحيط الهندي.

وتلبي القرية احتياجات أسطول دمياط سواء من خلال بناء مراكب جديدة أو عبر خدمات الصيانة. كما تستقبل مراكب من أساطيل صيد مصرية أخرى بشكل منتظم، لا من أجل الإصلاح فقط، بل أيضًا من أجل «الاستبدال والتجديد» – أي إعادة إنتاج المراكب فعليًا.

ولا يقتصر إنتاج كفر حميدو على الطلب المحلي فحسب. إذ تُسجَّل بشكل ملحوظ طلبات دولية على مراكبها، من عملاء في اليونان وقبرص وإيطاليا ودول متوسطية أخرى، يسعون للاستفادة من خبراتها.

معايير عشوائية

تتوزع الشركات، أو كما يسميها السكان المحليون «الورش»، في صف طويل على ضفة النيل، على بُعد بضعة كيلومترات جنوب الشاطئ. ويُعد المشهد عشوائيًا إلى حد لافت، لكنه في الوقت ذاته يحمل جمالًا خاصًا، حيث يتحرك مئات الحرفيين حول عشرات المراكب كخلية نحل.

كفر حميدو، دمياط، مصر، سبتمبر2009 (ماهرحمود).

أهل كفر حميدو يتحفظون بالفطرة، فلا أحد منهم يبدي استعدادًا لتقدير حجم هذه الصناعة. ومع ذلك، يمكن تخمين حجمها من خلال عدد القوارب التي تُنتج على ضفاف النهر – حوالى 50 قاربًا، يتولى تصنيعها ثمانية منتجين كبار إلى جانب عدد من المقاولين الفرعيين الصغار. ويحتاج كل قارب إلى متوسط ستة عمال، ما يشير إلى وجود قوة عاملة تبلغ نحو 300 شخص من العمالة الحرة.

بعيدًا عن حجم إنتاج قوارب الصيد، يلفت الانتباه وجود يخوت سياحية بتصميم أنيق وانسيابي، يُضفي تباينًا صارخًا مع المظهر البسيط للمنطقة المحيطة.

السيد أبو المعاطي، مالك شركة «الدمياطية لصناعة وإصلاح المراكب»، يتحفظ على التصوير داخل الورشة ويرفض إجراء مقابلات صحفية. وبدلًا من ذلك، يشير إلى شاب بملابس متواضعة – هو ابنه – قد يتاح له الوقت للحديث.

بشكل مفاجئ، يكشف السيد هيثم أبو المعاطي، نجل صاحب الورشة، أنه حاصل على درجة البكالوريوس في هندسة بناء السفن. ويقول: «والدي كان أول من صنع مركبًا من الصلب في دمياط عام 1987؛ طوله كان 50 مترًا»، مشيرًا إلى قارب قريب: «ها هو، جاء لإجراء صيانته السنوية».

وعلى الرغم من فخر أهالي كفر حميدو بالعمل في المراكب الخشبية والمعدنية على السواء، إلا أنهم يفضلون عادة القوارب الخشبية. ويقول هيثم: «المركب الخشب يعيش أكثر، وأسهل في التصنيع، وأرخص في الصيانة. ومع ذلك، كل ورشة هنا قادرة على العمل بكلا النوعين».

يبدو العمال في الموقع غير منظمين ويعتمدون بدرجة كبيرة على الارتجال؛ إذ تكاد تغيب تمامًا الرسومات الهندسية وأسس التصميم. ويُعلق أبو المعاطي قائلًا: «نستخدم تصميمًا واحدًا فقط، توارثناه في العائلة منذ مئات السنين. العمال يعرفونه عن ظهر قلب ويُعدّلون حجم المركب حسب الطلب».

وتعمل الورش في كفر حميدو دون أي تنسيق رسمي أو غير رسمي مع جهات خارجية. وغالبًا ما تُطلب المحركات البحرية من خلال وكلاء محليين لشركات مثل فورد ودايو ومرسيدس. وفي بعض الأحيان، يُجرى «تعديل» لمحركات الشاحنات لاستخدامها في البحر، كحل لتقليل التكاليف أو لتلبية مواعيد تسليم ضيقة عند تعذر استيراد محركات بحرية أصلية.

أما عن مستلزمات الملاحة، فهي جزء من تجارة محلية روتينية في المنطقة، لا سيما في منطقة عزبة البرج، وهي جزء آخر من دمياط. وتُستورد معظم هذه المستلزمات من إيطاليا والمملكة المتحدة، ومؤخرًا من الصين. إلا أن إيطاليا لا تزال المصدر المفضل، لما تقدمه من توازن بين الجودة والسعر.

السياحة أيضًا حافز

على بُعد بضع ورشات على ضفة النيل، يجلس رجل في أواخر الخمسينيات في الهواء الطلق، يرتدي نظارة شمسية أنيقة وساعة باهظة الثمن. إنه السيد السيد أبو العزم، مالك شركة «أولاد أبو العزم لصناعة المراكب»، والذي ينتمي إلى عائلة تُعد الأقدم في هذه الصناعة.

وتعرض ساحة شركته عددًا من اليخوت السياحية قيد التصنيع، موجهة بوضوح إلى فئة مختلفة من العملاء. ويقول أبو العزم: «نُصدّر يخوتنا إلى اليونان، وقبرص، وتركيا، ولبنان، وسوريا، وليبيا، والسعودية، واليمن». ويُضيف: «معظم عملائنا هم من مستثمري السياحة أو أفراد أثرياء يبحثون عن المتعة».

وفي معرض حديثه عن العوامل التي تقف وراء نجاح هذه الصناعة المتخصصة، يشير أبو العزم إلى عدة مزايا تجعل يخوت كفر حميدو مطلوبة حتى على المستوى الدولي. ويقول: «أقوى، مصنوعة يدويًا، وأرخص بنسبة لا تقل عن 50% من أي مكان آخر».

ويُعد توافر العمالة المهرة، المتوارثة عبر الأجيال، من العوامل الحاسمة. فالمهارة البحرية الموروثة لهؤلاء الحرفيين لا تُقدر بثمن. بالإضافة إلى ذلك، فإن توافر المواد الخام محليًا يجعل الصناعة تنافسية للغاية. فدمياط، المعروفة عالميًا كمستورد رئيسي للأخشاب ومعداتها لصناعة الأثاث، توفر لمجال صناعة المراكب موارد بأسعار معقولة.

ويقول أبو العزم: «لا يمكنني أن أُسيء لتاريخ اسم عائلتي بمنتج رديء الجودة». وتُبرز هذه العبارة كيف أن السمعة العائلية والتقاليد تدفع نحو التزام صارم بالجودة، ما يُكسب الورش ثقة عملاء متنوعين. أما التسويق، فيعتمد بالكامل على «السمعة»، حيث يُوصي العملاء الراضون بالورش للآخرين.

ويصعب تقدير أرقام التصدير بدقة، نظرًا لشكوك المجتمع المحلي تجاه أي استفسارات رسمية أو حكومية، ما يجعل الحصول على بيانات دقيقة أمرًا صعبًا. ومع ذلك، من الواضح أن كل ورشة تعمل على الأقل على يخت واحد، غالبًا لعميل أجنبي. وكمتوسط تقريبي، قد تُشكل الصادرات نحو 20% من إجمالي الإنتاج. وتعمل هذه الصناعة بالكامل وفقًا للطلب، ما يجعل حصر الأرقام بدقة أمرًا غير ممكن.

إنجاز العمل

وعلى مقربة من هناك، تقع ورشة «المهندس»، المملوكة للسيد أحمد أبو عطية. وهو رجل وقور في منتصف الستينيات، يُعد من أكثر المنتجين دقة وانضباطًا في المنطقة.

وفي حديثه عن نهجه في العمل، يقول: «نحن نعمل على أي تصميمات طالما أنها معتمدة من إحدى منظمات المعايير الدولية. وقد صنعنا مراكب صيد ويخوت بطول يصل إلى 50 مترًا، ولدينا عملاء أوروبيون، منهم من ألمانيا، التي تشتهر بدقة معاييرها».

كفر حميدو، دمياط، مصر، سبتمبر2009 (ماهرحمود).

يهتم أبو عطية اهتمامًا بالغًا بتفاصيل عمله، خاصة عندما يتعلق الأمر باليخوت السياحية. ويشدد على أن النجاح في هذه الصناعة يعتمد بدرجة كبيرة على جودة التشطيب. ويقول: «التشطيب هو العامل الأساسي في النجاح». كما يُبرز أهمية إدماج التكنولوجيا الحديثة في صناعة اليخوت، مشيرًا إلى مزايا مثل أنظمة الإطفاء التلقائي، وتكييف الهواء المركزي، ووحدات الصرف الصحي الصديقة للبيئة.

ومن الصعب الاطلاع على تفاصيل العمل الداخلية لهؤلاء المنتجين ما لم تُنظر إليك كعميل جاد. إلا أن أبو عطية يُصبح أكثر انفتاحًا عند الدخول في مناقشة المواصفات التفصيلية. ويقدم مثالًا على يخت صغير يصفه بأنه «رخيص نسبيًا». ويشرح قائلًا: «يخت بطول 16 مترًا – وهو أصغر المقاسات – يمكن تصنيعه بواسطة خمسة عمال في المتوسط. ويحتوي على محركين للسفر الطويل، ويُستكمل بالكامل خلال ستة أشهر، بتكلفة قدرها مليون جنيه مصري»، ثم يبتسم ويضيف بعين لامعة: «بس هعملك خصم كويس أول ما تقرر وتمضي العقد».

لا يزال واعدًا

لا وجود للكمال في هذا العالم، وكفر حميدو ليست استثناءً. فصناعة المراكب هنا تعاني من ضعف واضح في التطوير، وانفصال شبه تام عن التطورات التكنولوجية التي تظهر في الخارج. فعلى سبيل المثال، يحتاج نهر النيل إلى عمليات تعميق مرة واحدة على الأقل سنويًا لتسهيل إنتاج المراكب الأكبر حجمًا، كما كان يحدث في السابق. كما أن إنشاء قضبان لنقل المراكب بين الورش والمياه من شأنه أن يُحسن الكفاءة بشكل كبير.

وتحتاج المنطقة بأكملها إلى دراسة اقتصادية شاملة لاستكشاف سبل تطويرها. فمشروعات البنية التحتية، إلى جانب برامج تدريبية لتحسين المهارات التجارية، قد تُشكّل بديلًا – أو مكمّلًا – للاعتماد الحالي على السمعة والعرف العائلي.

وقد أدت الطبيعة العشوائية للنشاط، إلى جانب محدودية فهم الجهات الرسمية لآليات العمل، إلى ظهور تعقيدات بيروقراطية. ويواجه العملاء صعوبات في استخراج الوثائق المطلوبة للإبحار بمراكبهم بعد تصنيعها. وهناك حاجة ملحة لتوفير خدمات التوثيق القانوني في مركز موحد، إذ يتوجب على العملاء حاليًا التنقل بين محافظات عدة لتقنين المركب نفسه، حتى لو كان مخصصًا للاستخدام المحلي.

وقد يُحدث إنشاء مركز لتحديث الصناعة نقلة نوعية في هذا القطاع، من خلال تمثيل احتياجاته أمام الحكومة، والوصول إلى المعارض الدولية، وتحديث أساليب التشغيل. كما يمكن لهذا المركز أن يدافع عن خفض الرسوم الجمركية على المعدات المستوردة، أو إعفائها بالكامل، كما هو الحال في صناعات أخرى، مما يعزز فرص النمو.

ورغم كل هذه التحديات، لا تزال صناعة المراكب في كفر حميدو مزدهرة، ويواصل المنتجون المحليون إظهار مرونة ومهارة لافتتين. فهم يساعدون العملاء خطوة بخطوة في التعامل مع الإجراءات القانونية، ويقدمون النصح بشأن المستندات وشهادات المواصفات والتراخيص – وهي عملية معقدة وتستغرق وقتًا. ويُسهم هذا التعاون في الحفاظ على مكانة كفر حميدو كمورّد رئيسي لليخوت التي تجوب أوروبا، والتي يصنعها هؤلاء الحرفيون النشطاء. ولا تزال دمياط، علاوة على ذلك، تفخر بامتلاكها أكبر أسطول صيد في مصر، وربما في الشرق الأوسط بأكمله، حسبما يُقال أحيانًا.

هذا المقال نشر أولاً بمجلة ذا جيرمان أراب تريد.